عدة الصابرين

وقال بعض السلف: "الصوم نصف الصبر"١، وذلك لأن الصبرَ حبس النفس عن إجابة داعي الشهوة والغضب، فالنفس تشتهي الشيء لحصول اللذة بإدراكه وتغضب لتقربها من المؤلم، والصوم صبر عن مقتضى الشهوة فقط وهي شهوة البطن والفرج دون مقتضى الغضب، ولكن من تمام الصوم وكماله صبر النفس عن إجابة داعي الأمرين.

وقد أشار إلى ذلك النبي ﷺ في الحديث الصحيح، وهو قوله: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يجهل ولا يصخب، فإن أحد سابّه أو شاتمه فليقل: إني صائم"٢.

فأرشد ﷺ إلى تعديل قوى الشهوة والغضب، وأن الصائم ينبغي له أن يحتمي من إفسادهما لصومه، فهذه تفسد صومه، وهذه تحبط أجره، كما قال في الحديث الآخر: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس للَّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"٣.

قالوا: ويكفي في فضل الصبر على الشكر قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ

  1. = في "سننه" رقم (١٧٤١). وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" بمجموع طرقه رقم (٢٦٢٣).
    - حديث أبي هريرة، رواه أحمد في "مسنده" (٢/ ٢٦٣) وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (٤/ ٩٩) على شرط مسلم.
    ووردت تسميته بذلك في أحاديث أخرى لكنها ضعيفة.
  2. (١) وقد سبق ذلك في بداية الباب السابق.
  3. (٢) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٩٠٤)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١١٥١) (١٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
  4. (٣) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٩٠٣)، من حديث أبي هريرة ﵁.
213

الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾ [المؤمنون: ١١١]، فجعل فوزهم جزاء صبرهم وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ولا شيء يعدل معيته لعبده، كما قال بعض العارفين: "ذهب الصابرون بخير الدنيا والآخرة لأنهم نالوا معية اللَّه"١.

وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وهذا يتضمن الحراسة والكلاءة والحفظ للصابر لحكمه، وقد وعد الصابرين بثلاثة أشياء كل واحد منها خير من الدنيا وما عليها وهي: صلوات اللَّه تعالى عليهم، ورحمته لهم، وتخصيصهم بالهداية في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ١٥٧﴾ [البقرة: ١٥٧] وهذا مفهم لحصر الهدى فيهم.

وأخبر أن الصبر من عزم الأمور في آيتين من كتابه، وأمر رسوله أن يتشبه بصبر أولي العزم من الرسل، وقد تقدم ذكر ذلك٢.

قالوا: وقد دلَّ الدليل على أن الزهد في الدنيا والتقلل منها ما أمكن أفضل من الاستكثار منها، والزهد فيها حال الصابر، والاستكثار منها حال الشاكر.

قالوا: وقد سُئل المسيح صلوات اللَّه وسلامه عليه عن رجلين مرّا بكنز فتخطاه أحدهما، ولم يلتفت إليه، وأخذه الآخر وأنفقه في طاعة اللَّه ﷿ أيهما أفضل؟ فقال: الذي لم يلتفت إليه وأعرض عنه أفضل عند اللَّه٣.

  1. (١) سبق من قول أبي على الدقاق ص (٨٥).
  2. (٢) انظر ص (٥٩ - ٦٠).
  3. (٣) انظر هذا الأثر أيضًا في: "فيض القدير" (٢/ ٥٠).
214

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي