عدة الصابرين

علم كان أقرب إفضاءً إلى العلم باللَّه وأسمائه وصفاته فهو أعلى مما دونه. وكذلك حال القلب، فكل حال كان أدنى١ إلى المقصود الذي خُلق له فهو أشرف مما دونه. وكذلك الأعمال، فكل عمل كان أقرب إلى تحصيل هذا المقصود كان أفضل من غيره. ولهذا كانت الصلاة والجهاد من أفضل الأعمال أو أفضلها؛ لقرب إفضائها إلى هذا المقصود.

وهكذا يجب أن يكون، فإن كلما كان الشيء أقرب إلى الغاية كان أفضل من البعيد عنها، فالعمل المُعِدُّ للقلب المهيّئ له لمعرفة اللَّه وأسمائه وصفاته ومحبته وخوفه ورجائه أفضل مما ليس كذلك.

وإذا اشتركت عدة أعمال في هذا الإفضاء فأفضلها أقربها إلى هذا المقصود، ولهذا اشتركت الطاعات في هذا الإفضاء فكانت مطلوبة للَّه، واشتركت المعاصي في حجب القلب وقطعه عن هذه الغاية فكانت منهيًّا عنها، وتأثير الطاعات والمعاصي بحسب درجاتها.

فههنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أنه قد يكون العمل المعيّن أفضل في حق شخص، وغيره أفضل منه في حق غيره، فالغني الذي له مال كثير، ونفسه لا تسمح ببذل شيء منه، فصدقته وإيثاره أفضل له من قيام الليل وصيام النهار نافلة.

والشجاع الشديد البأس الذي يهاب العدو سطوته، وقوفُه٢ في الصف ساعةً وجهادُه أعداءَ اللَّه أفضلُ له من الحج والصوم والصدقة

  1. (١) في النسخ الثلاث الأخرى: "أقرب".
  2. (٢) في الأصل: "وقوته". والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
216

والتطوع.

والعالم الذي قد عرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر، مخالطتُه للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح.

ووليُّ الأمر١ الذي قد نصبه اللَّه للحكم بين عباده، جلوسه ساعة للنظر في المظالم، وإنصاف المظلوم من الظالم، وإقامة الحدود، ونصر المحق، وقمع المبطل = أفضل من عبادة سنين من غيره.

ومن غلبت عليه شهوة النساء فصومه له أنفع وأفضل من ذكر غيره وصدقته.

وتأمل تولية النبي ﷺ لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهما من أمرائه وعماله وترك تولية أبي ذر، بل قال: "إني أراك ضعيفًا، وإني لأحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا تولينَّ مال يتيم"٢، وأمر غيره بالصيام، وقال: "عليك بالصوم فإنه لا عِدْلَ له"٣، وأمر آخر بأن لا يغضب٤، وأمر آخر بأن لا يزال لسانه رطبًا من ذكر اللَّه٥.

ومتى أراد اللَّه بالعبد كمالًا وفّقه لاستفراغ وسعه فيما هو مستعد له

  1. (١) ساقطة من الأصل.
  2. (٢) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (١٨٢٦) من حديث أبي ذر.
  3. (٣) سبق تخريجه قريبًا.
  4. (٤) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦١١٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
  5. (٥) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٣٣٧٥)، وقال: "حسن غريب من هذا الوجه"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٣٧٩٣)، من حديث عبد اللَّه بن يسر.
217

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي