عدة الصابرين

والتطوع.

والعالم الذي قد عرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر، مخالطتُه للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح.

ووليُّ الأمر١ الذي قد نصبه اللَّه للحكم بين عباده، جلوسه ساعة للنظر في المظالم، وإنصاف المظلوم من الظالم، وإقامة الحدود، ونصر المحق، وقمع المبطل = أفضل من عبادة سنين من غيره.

ومن غلبت عليه شهوة النساء فصومه له أنفع وأفضل من ذكر غيره وصدقته.

وتأمل تولية النبي ﷺ لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهما من أمرائه وعماله وترك تولية أبي ذر، بل قال: "إني أراك ضعيفًا، وإني لأحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا تولينَّ مال يتيم"٢، وأمر غيره بالصيام، وقال: "عليك بالصوم فإنه لا عِدْلَ له"٣، وأمر آخر بأن لا يغضب٤، وأمر آخر بأن لا يزال لسانه رطبًا من ذكر اللَّه٥.

ومتى أراد اللَّه بالعبد كمالًا وفّقه لاستفراغ وسعه فيما هو مستعد له

  1. (١) ساقطة من الأصل.
  2. (٢) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (١٨٢٦) من حديث أبي ذر.
  3. (٣) سبق تخريجه قريبًا.
  4. (٤) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦١١٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
  5. (٥) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٣٣٧٥)، وقال: "حسن غريب من هذا الوجه"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٣٧٩٣)، من حديث عبد اللَّه بن يسر.
217

قابل له قد هُيِّئَ له، فإذا استفرغ وسعه فيه بَرز على غيره، وفاق الناس فيه وصار كما قيل:

ما زال يَسبق حتى قال حاسدُهله طريق إلى العلياءِ مختصرُ١

وهذا كالمريض الذي يشكو وجع البطن مثلًا، إذا استعمل دواء ذلك الداء انتفع به، وإذا استعمل دواء وجع الرأس لم يصادف داءه، فالشحُّ المطاع مثلًا من المهلكات ولا يزيله صيام مائة عام ولا قيام ليلها. وكذا داء اتباع الهوى والإعجاب بالنفس لا يلائمه كثرة قراءة القرآن، واستفراغ الوسع والذكر والزهد، وإنما يزيله إخراجه من القلب بضده.

ولو قيل: أيّما أفضل: الخبز أو الماء؟

لكان الجواب: إن هذا في موضعه أفضل، وهذا في موضعه أفضل.

وإذا عرفتَ هذه القاعدة٢ فالشكر ببذل المال عمل صالح يحصل به للقلب حال، وهو زوال البخل والشحِّ بسبب خروج الدنيا منه، فيتهيأ لمعرفة اللَّه ومحبته، فهو دواء للداء الذي في القلب يمنعه من المقصود.

وأما الزاهد فقد استراح من هذا الداء والدواء، وتوفرت قوته على استفراغ الوسع في حصول المقصود.

ثم أوردوا على أنفسهم سؤالًا، فقالوا: فإن قيل: فقد حث الشرع على الأعمال؟

  1. (١) هذا البيت للبحتري من قصيدة في ديوانه (٩٥٧).
  2. (٢) أشار إلى هذه القاعدة وضرب لها بعض الأمثلة مما ساقه الإمام ابن القيم ﵀: الغزالي في "إحياء علوم الدين" (٤/ ١١٧).
218

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي