عدة الصابرين

وروى ابن أبي الدنيا من حديث سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده قال: بعث رسول اللَّه ﷺ بعثًا من الأنصار وقال: "إن سلّمهم اللَّه وغنمهم، فإن للَّه عليّ في ذلك شكرًا". قال: فلم يلبثوا أن غنموا وسلموا، فقال بعض أصحابه: سمعناك تقول: إن سلّمهم اللَّه وغنّمهم فإنّ على في ذلك للَّه شكرًا، قال: "قد فعلت، اللهم لك الحمد شكرًا، ولك المنّ فضلًا"١.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال محمد بن المنكدر لأبي حازم: "يا أبا حازم، ما أكثر من يلقاني فيدعو لي بالخير، ما أعرفهم وما صنعت إليهم خيرًا قط" فقال له أبو حازم: "لا تظن أن ذلك من قِبَلِك، ولكن انظر إلى الذي ذلك من قِبَله فاشكره. وقرأ عبد الرحمن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ٩٦﴾ [مريم: ٩٦] "٢.

وقال علي بن الجعد: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون: حدثني من أصدّقه أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يقول في دعائه: "أسألك تمام النعمة في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضى، والخيرة في جميع ما تكون فيه الخيرة بجميع ميسور٣

  1. (١) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١٠٥).
    والحديث رواه الطبراني في "الكبير" (١٩/ رقم ٣١٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٣٩١). وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٨٥).
  2. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٥٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٢٣٣).
  3. (٣) في (ب): "ميسّر".
251

الأمور كلها لا معسورها يا كريم"١.

وقال الحسن: "ما أنعم اللَّه على عبده نعمة، فقال: الحمد للَّه، إلا كان ما أعطى أكثر مما أخذ"٢.

قال ابن أبي الدنيا: وبلغني عن سفيان بن عيينة أنه قال: "هذا خطأ، لا يكون فعل العبد أفضل من فعل اللَّه"٣.

ثم قال: وقال بعض أهل العلم: إنما تفسير هذا: أن الرجل إذا أنعم اللَّه عليه نعمة وهو ممن يحب أن يحمده، عرّفه ما صنع به، فيشكر اللَّه كما ينبغي له أن يشكره، فكان الحمد له أفضل٤.

قلت: لا يلزم الحسن ما ذكر عن ابن عيينة؛ فإن قوله: "الحمد للَّه"، نعمة من اللَّه، والنعمة التي حمد اللَّه عليها أيضًا نعمة من اللَّه، وبعض النعم أجلّ من بعض، فنعمة الشكر أجلّ من نعمة المال والجاه والولد والزوجة ونحوها واللَّه أعلم.

وهذا لا يستلزم أن يكون قول٥ العبد أفضل من فعل اللَّه٦، وإن

  1. (١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١١٠). والراوي عن أبي بكر مجهول، كما هو واضح.
  2. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١١١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٠٦).
  3. (٣) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١١١). ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٠٧). بالإسناد السابق.
  4. (٤) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١١١).
  5. (٥) في النسخ الثلاث الأخرى: "فعل". وكذا فيما نقل ابن أبي الدنيا آنفًا.
  6. (٦) لفظ الجلالة ليس في الأصل، والاستدراك من النسخ الأخرى.
252

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي