عدة الصابرين

الأمور كلها لا معسورها يا كريم"١.

وقال الحسن: "ما أنعم اللَّه على عبده نعمة، فقال: الحمد للَّه، إلا كان ما أعطى أكثر مما أخذ"٢.

قال ابن أبي الدنيا: وبلغني عن سفيان بن عيينة أنه قال: "هذا خطأ، لا يكون فعل العبد أفضل من فعل اللَّه"٣.

ثم قال: وقال بعض أهل العلم: إنما تفسير هذا: أن الرجل إذا أنعم اللَّه عليه نعمة وهو ممن يحب أن يحمده، عرّفه ما صنع به، فيشكر اللَّه كما ينبغي له أن يشكره، فكان الحمد له أفضل٤.

قلت: لا يلزم الحسن ما ذكر عن ابن عيينة؛ فإن قوله: "الحمد للَّه"، نعمة من اللَّه، والنعمة التي حمد اللَّه عليها أيضًا نعمة من اللَّه، وبعض النعم أجلّ من بعض، فنعمة الشكر أجلّ من نعمة المال والجاه والولد والزوجة ونحوها واللَّه أعلم.

وهذا لا يستلزم أن يكون قول٥ العبد أفضل من فعل اللَّه٦، وإن

  1. (١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١١٠). والراوي عن أبي بكر مجهول، كما هو واضح.
  2. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١١١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٠٦).
  3. (٣) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١١١). ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٠٧). بالإسناد السابق.
  4. (٤) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١١١).
  5. (٥) في النسخ الثلاث الأخرى: "فعل". وكذا فيما نقل ابن أبي الدنيا آنفًا.
  6. (٦) لفظ الجلالة ليس في الأصل، والاستدراك من النسخ الأخرى.
252

دلّ على أن فعل العبد للشكر قد يكون أفضل من بعض مفعول اللَّه، وفعل العبد هو مفعول اللَّه، ولا ريب أن بعض مفعولاته أفضل من بعض.

وقال بعض أهل العلم: "لَنِعَم اللَّه علينا فيما زوى عنّا أفضل من نعمه علينا فيما بسط لنا منها، وذلك أن اللَّه لم يرضَ لنبيه الدنيا، فأنْ أكون فيما رضي اللَّه لنبيه وأحبّ له أحبّ إليّ [أن أكون]١ فيما كره له وسخطه"٢.

قال ابن أبي الدنيا: وبلغني عن بعض العلماء أنه قال: "ينبغي للعالم أن يحمد اللَّه على ما زوى عنه من شهوات الدنيا، كما يحمده على ما أعطاه. وأين يقع ما أعطاه والحساب يأتي عليه، إلى ما عافاه ولم يبتلِه به، فيشغل قلبه، ويتعب جوارحه؟ فيشكر اللَّه على سكون قلبه وجمع همّه"٣.

وحدِّثت٤ عن ابن أبي الحواري قال: جلس فضيل بن عياض وسفيان ابن عيينة ليلة إلى الصباح يتذاكران النعم، فجعل سفيان يقول: "أنعم اللَّه علينا في كذا، أنعم اللَّه في كذا، فعل بنا كذا، فعل بنا كذا"٥.

وحدثنا٦ عبد اللَّه بن داود عن سفيان في قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ

  1. (١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
  2. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١١٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٨٩). وسيأتي نحوه عن أبي حازم.
  3. (٣) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١١٣).
  4. (٤) المُحَدَّث هو: ابن أبي الدنيا.
  5. (٥) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١١٤).
  6. (٦) في "الشكر" لابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن يحيى بن أبي حاتم أنبا عبد اللَّه =
253

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي