دلّ على أن فعل العبد للشكر قد يكون أفضل من بعض مفعول اللَّه، وفعل العبد هو مفعول اللَّه، ولا ريب أن بعض مفعولاته أفضل من بعض.
وقال بعض أهل العلم: "لَنِعَم اللَّه علينا فيما زوى عنّا أفضل من نعمه علينا فيما بسط لنا منها، وذلك أن اللَّه لم يرضَ لنبيه الدنيا، فأنْ أكون فيما رضي اللَّه لنبيه وأحبّ له أحبّ إليّ [أن أكون]١ فيما كره له وسخطه"٢.
قال ابن أبي الدنيا: وبلغني عن بعض العلماء أنه قال: "ينبغي للعالم أن يحمد اللَّه على ما زوى عنه من شهوات الدنيا، كما يحمده على ما أعطاه. وأين يقع ما أعطاه والحساب يأتي عليه، إلى ما عافاه ولم يبتلِه به، فيشغل قلبه، ويتعب جوارحه؟ فيشكر اللَّه على سكون قلبه وجمع همّه"٣.
وحدِّثت٤ عن ابن أبي الحواري قال: جلس فضيل بن عياض وسفيان ابن عيينة ليلة إلى الصباح يتذاكران النعم، فجعل سفيان يقول: "أنعم اللَّه علينا في كذا، أنعم اللَّه في كذا، فعل بنا كذا، فعل بنا كذا"٥.
وحدثنا٦ عبد اللَّه بن داود عن سفيان في قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ
(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١١٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٨٩). وسيأتي نحوه عن أبي حازم.
(٣) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١١٣).
(٤) المُحَدَّث هو: ابن أبي الدنيا.
(٥) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١١٤).
(٦) في "الشكر" لابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن يحيى بن أبي حاتم أنبا عبد اللَّه =
وسُئل ثابت البناني عن الاستدراج، فقال: "ذلك مكر اللَّه بالعباد المضيّعين"٤.
وقال يونس في تفسيرها: "إن العبد إذا كانت له عند اللَّه منزلة، فحفظها وأبقى عليها ثم شكر اللَّه بما أعطاه، أعطاه أشرف منها. وإذا هو ضيّع الشكر استدرجه اللَّه، وكان تضييعه الشكر استدراجًا"٥.
وقال أبو حازم: "نعمة اللَّه فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطاني منها، إني رأيته أعطاها أقوامًا فهلكوا"٦.
= بن داود به.
(١) في النسخ الثلاث الأخرى: "يسبغ عليهم".
(٢) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١١٥). ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٧)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" رقم (١٠٢٤).
(٣) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١١٦)، وهو بنفس السند السابق.
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١١٧)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" رقم (١٠٢٣).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١١٧)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" رقم (١٠٢٣). وهو تكملة للأثر السابق.
(٦) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٢٠)، وفي "القناعة والعفاف" رقم (١٧٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٢٣٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٢/ ٤٩). ورواه نحوه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٢٦)، والبيهقي في "شعب =