عدة الصابرين

وكل نعمة لا تقرّب من اللَّه فهي بليّة، وإذا رأيت اللَّه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه، فاحذره١.

وذكر أبو صالح كاتب الليث عن هِقْل عن الأوزاعي أنه وعظهم فقال٢ في موعظته: "أيها الناس، تقوّوا٣ بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار اللَّه الموقدة التي تطلع على الأفئدة، فإنكم في دارٍ الثواءُ فيها قليل، وأنتم فيها مُرْجَون خلائف من بعد القرون التي استقبلوا من الدنيا آنفها وزهرتها٤، فهم كانوا أطول منكم أعمارًا، وأمدّ أجسامًا، وأعظم آثارًا، فقطعوا الجبال وجابوا٥ الصخور، ونقّبوا في البلاد مؤيدين ببطشٍ شديد وأجساد كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم، وعفت آثارهم، وأخْوَت منازلهم، وأَنْست ذكرَهم، فما تحسّ منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزًا، كانوا يلهون آمنين لبيات قوم

  1. = الإيمان" رقم (٤٤٨٨)، عن صالح بن مسمار.
    وروى نحوه أبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٨٢)، عن الثوري، وفي (٧/ ٣٠٥) عن ابن عيينة.
  2. (١) هذا من كلام أبي حازم أيضًا، إلا أنه بإسناد آخر، وقد سبق ص (٢٤٣) تخريج قوله: "كل نعمة لا تقرب من اللَّه فهي بليّة".
    أما قوله: "وإذا رأيت. . . " الخ، فقد رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (٣١).
  3. (٢) ليست في الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
  4. (٣) في (ن): "اتقوا".
  5. (٤) سقطت الواو في الأصل من كلمة: "وزهرتها"، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
    وآنفها أي أسرعها نباتًا. انظر: "لسان العرب" (٩/ ١٤).
  6. (٥) أي خرقوا ونحتوا. انظر: "لسان العرب" (١/ ٢٨٥).
255

غافلين أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتًا من عقوبة اللَّه، فأصبح كثير منهم في دارهم جاثمين، وأصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة ومساكن خاوية، فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى. وأصبحتيم من بعدهم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة، في زمان قد ولّى عفوه وذهب رخاؤه، فلم يبقَ منه إلا حمأة شرّ، وصُبابة١ كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غِيَر، وإرسال فتن، وتتابع زلازل، ورذالة٢ خَلَف، بهم ظهر الفساد في البر والبحر، ولا تكونوا أشباهًا لمن خدعه الأمل، وغرّه طول الأجل، وتبلّغ بالأماني، نسأل اللَّه أن يجعلنا وإياكم ممن وعى إنذاره، وعقل بشراه، فمَهَّد لنفسه"٣.

وكان يُقال: "الشكر ترك المعصية"٤.

وقال ابن المبارك: قال سفيان: "ليس بفقيه من لم يعدّ البلاء نعمة، والرخاء مصيبة"٥.

وكان مروان بن الحكم إذا ذُكر الإسلام قال: "بنعمة ربي وصلت إليه، لا بما قدمت يدي ولا بإرادتي، إني كنت خاطئًا"٦.

  1. (١) الصبابة: البقية اليسيرة من الشراب تبقى في أسفل الإناء. "النهاية" لابن الأثير (٣/ ٥).
  2. (٢) في (ب): "ورذلة".
  3. (٣) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (٣٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٥/ ٢٠٨).
  4. (٤) سبق تخريجه ص (٢٤٢).
  5. (٥) سبق أيضا تخريجه ص (٢٤٥).
  6. (٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٢١).
256

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي