غافلين أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتًا من عقوبة اللَّه، فأصبح كثير منهم في دارهم جاثمين، وأصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة ومساكن خاوية، فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى. وأصبحتيم من بعدهم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة، في زمان قد ولّى عفوه وذهب رخاؤه، فلم يبقَ منه إلا حمأة شرّ، وصُبابة١ كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غِيَر، وإرسال فتن، وتتابع زلازل، ورذالة٢ خَلَف، بهم ظهر الفساد في البر والبحر، ولا تكونوا أشباهًا لمن خدعه الأمل، وغرّه طول الأجل، وتبلّغ بالأماني، نسأل اللَّه أن يجعلنا وإياكم ممن وعى إنذاره، وعقل بشراه، فمَهَّد لنفسه"٣.
وكان يُقال: "الشكر ترك المعصية"٤.
وقال ابن المبارك: قال سفيان: "ليس بفقيه من لم يعدّ البلاء نعمة، والرخاء مصيبة"٥.
وكان مروان بن الحكم إذا ذُكر الإسلام قال: "بنعمة ربي وصلت إليه، لا بما قدمت يدي ولا بإرادتي، إني كنت خاطئًا"٦.
(١) الصبابة: البقية اليسيرة من الشراب تبقى في أسفل الإناء. "النهاية" لابن الأثير (٣/ ٥).
(٢) في (ب): "ورذلة".
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (٣٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٥/ ٢٠٨).
(٤) سبق تخريجه ص (٢٤٢).
(٥) سبق أيضا تخريجه ص (٢٤٥).
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٢١).
وقال:
وكم من مدخل لو متُّ فيهلكنتُ به نكالًا في العشيره
وُقيتُ السوءَ والمكروهَ فيهورحتُ بنعمة منه كبيره
وكم من نعمة للَّه١ تمسيوتصبح في العيان وفي السريره٢
ودعي عثمان بن عفان إلى قوم على ريبة، فانطلق ليأخذهم فتفرقوا قبل أن يبلغهم، فأعتق رقبة شكرًا للَّه أن لا يكون جرى على يديه خزي مسلم٣.
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا أصبغ بن يزيد أن نوحًا ﷺ كان إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد للَّه الذي أذاقني لذته، وأبقى منفعته في جسدي، وأذهب عني أذاه"؛ فسمّي عبدًا شكورًا٤.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني العباس بن جعفر حدثنا شاذ بن فياض عن الحارث بن شبل قال: حدثتنا أم النعمان أن عائشة حدثتها عن النبي ﷺ: "أنه لم يقم عن خلاء قط إلا قاله"٥.
(١) لفظ الجلالة غير موجود في الأصل، والاستدراك من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) الأبيات لأحمد بن موسى الثقفي، كما في كتاب "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١٢٣)، مع تقديم وتأخير.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٢٤). ونحوه في "الزهد" للإمام أحمد رقم (٦٩٠)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم (١/ ٦٠).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٢٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٧٠).
(٥) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١٢٧)، ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم =