عدة الصابرين

أعظم؟

قيل: الجواب من وجوه:

أحدها: أن النعمة المتجددة تذكّر بالمستدامة، والإنسان موكّل بالأدنى.

الثاني: أن هذه النعمة المتجددة تستدعي عبودية مجددة، وكان أسهلها على الإنسان وأحبها إلى اللَّه السجود شكرًا له.

الثالث: أن المتجددة لها وقع في النفوس، والقلوب بها أعلَق، ولهذا يُهنّأ بها، ويعزى بفقدها.

الرابع: أن حدوث النعم توجب فرح النفس وانبساطها، وكثيرًا ما يجز ذلك إلى الأشر والبطر، والسجود ذلٌّ للَّه وعبودية وخضوع، فإذا تلقّى به نعمته كسر سَوْرة١ فرح النفس وانبساطها، فكان جديرًا بدوام تلك النعمة، وإذا تلقاها بالفرح الذي لا يحبه اللَّه والأشر والبطر -كما يفعله الجهال عند ما يحدث اللَّه لهم من النعم- كانت سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، وانقلبت نقمة، وعادت استدراجًا.

وقد تقدم أثر النجاشيّ: "فإن اللَّه إذا أحدث لعبده نعمة أحب أن يحدث له تواضعًا"٢.

وقال العلاء بن المغيرة: بشرت الحسن٣ بموت الحجاج، وهو

  1. (١) سَوْرةُ الشيء أي: حدّته، فسورة الفرح أي: حدّة الفرح. انظر: "لسان العرب" (٤/ ٣٨٤).
  2. (٢) تقدم قريبًا.
  3. (٣) هو الحسن البصري ﵀.
262

مختفٍ، فخرّ للَّه ساجدًا١.

فصل

ومن دقيق نعم اللَّه على العبد التي لا يكاد يُفطن لها: أنه يغلق عليه بابه، فيرسل اللَّه إليه بمن يطرق عليه الباب يسأله شيئًا من القوت؛ ليعرّفه نعمته عليه٢.

وقال سلام بن أبي مطيع: دخلت على مريض أعوده فإذا هو يئنُّ، فقلت له: اذكر المطروحين على الطريق، اذكر الذين لا مأوى لهم ولا لهم من يخدمهم. قال: ثم دخلت عليه بعد ذلك فسمعته يقول لنفسه: اذكر المطروحين في الطريق، اذكر من لا مأوى له ولا له من يخدمه٣.

وقال عبد اللَّه بن أبي نوح: قال لي رجل على بعض السواحل: كم عاملته -تبارك اسمه- بما يكره فعاملك بما تحب؟ قلت: ما أحصي ذلك كثرة. قال: فهل قصدت إليه في أمر كربك فخذلك؟ قلت: لا واللَّه، ولكنه أحسن إليّ وأعانني. قال: فهل سألته شيئا فأعطاكه؟ قلت: وهل منعني شيئًا سألته؟! ما سألته شيئًا قط إلا أعطاني، ولا استغثت به إلا أغاثني. قال: أرأيت لو أن بعض بني آدم فعل بك بعض هذه الخلال ما كان جزاؤه عندك؟ قلت: ما كنت أقدر له على مكافأةٍ ولا جزاءٍ. قال:

  1. (١) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٣٧)، والخرائطي في "فضيلة الشكر" رقم (٦٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ١٥٨ - ١٥٩).
  2. (٢) روي نحو هذا عن سلام بن أبي مطيع. انظر: "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١٣٩)، و"حلية الأولياء" (٦/ ١٨٨ - ١٨٩).
  3. (٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٤٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ١٨٩).
263

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي