وبهذا يتبين معنى الحديث الذي رواه أبو داود من حديث زيد بن ثابت وابن عباس: "إن اللَّه لو عذّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم"١.
والحديث الذي في الصحيح: "لن ينجي أحد منكم عمله" قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمّدني اللَّه برحمة منه وفضل"٢؛ فإن أعمال العبد لا توافي نعمة من نعم اللَّه عليه.
وأما قول بعض الفقهاء: إن من حلف أن يحمد اللَّه أفضل أنواع الحمد كان برّ يمينه في أن يقول: الحمد حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده٣.
فهذا ليس بحديث عن رسول اللَّه ﷺ ولا عن أحد من الصحابة، وإنما هو إسرائيلي عن آدم٤، وأصح منه: "الحمد للَّه غير مكفِيٍّ ولا
= ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٦٢٣).
(١) سنن أبي داود رقم (٤٦٩٩). ورواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٧٧). كلاهما من حديث زيد بن ثابت وابن مسعود وحذيفة وأبي بن كعب رضي اللَّه تعالى عنهم. وصححه ابن حبان حيث أورده في "صحيحه" برقم (٧٢٧). ولم أجده من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) "صحيح البخاري" رقم (٦٤٦٣)، و"صحيح مسلم" رقم (٢٨١٦). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) رواه أبو الشيخ الأصبهاني في "العظمة" رقم (١٠٤١) عن أبي صالح قال: "لما =
مودعّ ولا مستغنى عنه ربنا"١.
ولا يمكن حمد العبد وشكره أن يوافي نعمة من نعم اللَّه، فضلًا عن موافاته جميع نعمه، ولا يكون فعل العبد وحمده مكافئًا للمزيد.
ولكن يُحمل هذا على وجه يصح، وهو: أن الذي يستحقه اللَّه ﷿ من الحمد حمدًا يكون موافيًا لنعمه ومكافئًا لمزيده، وإن لم يقدر العبد أن يأتي به، كما إذا قال: "الحمد للَّه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، وعدد الرمال والتراب والحصى والقطر، وعدد أنفاس الخلائق، وعدد ما خلق اللَّه وما هو خالق"، فهذا إخبار عما يستحقه من الحمد لا عما يقع من العبد من الحمد.
= أهبط آدم إلى الأرض. . . . فأوحى اللَّه ﷿ إليه أن قل: الحمد للَّه. . . فذكره، وفيه: فإنك إن فعلت ذلك غلبت جميع من خلقت بالتسبيح والمحامد". ورواه ابن الصلاح في "أماليه" -كما في "التلخيص الحبير" (٤/ ١٧١) - عن محمد بن النضر به نحوه. قال ابن حجر: وهذا معضل. وللمصنف رسالة حول هذا الحديث والكلام فيه سندًا ومتنًا. طبعت ضمن "مجموعة الرسائل" لابن القيم في هذا المشروع المبارك.