عدة الصابرين

المبتلى وإن اشتد بلاؤه ليس بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء، وما المبتلَون اليوم إلا من أهل العافية بالأمس، وما المبتلون بعد اليوم إلا من أهل العافية اليوم، ولو كان البلاء يجرّ إلى خير ما كنا من رجال البلاء. إنه رُبّ بلاء قد أجهد في الدنيا وأخزى في الآخرة، فما يأمن من أطال١ المقام على معصية اللَّه أن يكون قد بقي له في بقية عمره من البلاء ما يجهده في الدنيا ويفضحه في الآخرة، ثم يقول عند ذلك: الحمد للَّه الذي إن نعدّ نعمه لا نحصيها، وإن ندأب له عملًا لا نجزيها، وإن نعمّر فيها لا نبليها"٢.

ومرّ رسول اللَّه ﷺ برجل يسأل اللَّه الصبر، فقال: "لقد سألت البلاء، فاسأل العافية"٣.

وفي "صحيح مسلم" أنه ﷺ عاد رجلًا قد خفت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول اللَّه ﷺ: "هل كنت تدعو اللَّه بشيء أو تسأله إياه؟ " قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجّله لي في الدنيا. فقال رسول اللَّه ﷺ: "سبحان اللَّه، لا تطيقه ولا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" فدعا اللَّه له فشفاه٤.

  1. = في "الثقات". انظر: "التاريخ الكبير" (٦/ ٧٢)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ٢٨)، و"الثقات" (٧/ ١٣١).
  2. (١) في الأصل: الحال، والتصويب من (ب) ومن مصدر التخريج.
  3. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٥٧).
  4. (٣) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٣٥٢٧)، وقال: "حديث حسن". من حديث معاذ بن جبل ﵁.
  5. (٤) "صحيح مسلم" رقم (٢٦٨٨) من حديث أنس بن مالك ﵁.
272

وفي "الترمذي" من حديث أبي هريرة قال: دعاء حفظته من رسول اللَّه ﷺ لا أدعه: "اللهم اجعلني أعظِّمُ شكرَك، وأُكثِرُ ذكرَك، وأتّبعُ نصيحتك، وأحفَظُ وصيّتك"١.

وقال شيبان: كان الحسن إذا جلس مجلسًا يقول: "لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال، بَسطت رزقنا، وأظهرتَ أمنَنا، وأحسنتَ معافاتَنا، ومن كلّ ما سألناك أعطيتنا، فلك الحمد كثيرًا كما تنعم كثيرًا، أعطيتَ خيرًا كثيرًا، وصرفتَ شرًّا كثيرًا، فلوجهك الجليل الباقي الدائم الحمد"٢.

وكان بعض السلف يقول: "اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو عافية أو كرامة، في دين أو دنيا، جرت علينا فيما مضى أو هي جارية علينا فيما بقي، فإنها منك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد بذلك علينا، ولك المنّ، ولك الفضل، ولك الحمد عدد ما أنعمت به علينا وعلى جميع خلقك لا إله إلا أنت"٣.

وقال مجاهد: كان ابن عمر إذا كان في سفر فطلع الفجر رفع صوته ونادى: "سمع سامع بحمد اللَّه ونعمه وحسن بلائه علينا ثلاثًا، اللهم صاحبنا فأفضل علينا، عائذ باللَّه من النار ولا حول ولا قوة إلا باللَّه،

  1. (١) ليس في المطبوع من الجامع.
    وانظره في: "تحفة الأشراف" رقم (١٤٩٣٧)، حيث ذكر أن الترمذي رواه في جامعه من كتاب الدعوات، وقال: "غريب".
    وهو في "مسند أحمد" (٢/ ٣١١).
  2. (٢) سبق تخريجه ص (٢٤١).
  3. (٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٦٠)، وابن أبي يعلى في كتاب "طبقات الحنابلة" (١/ ١٩٤). ووقع في النسخ: "وهي" والمثبت من المصادر.
273

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي