عدة الصابرين

وقال الحسن: "يا لها نعمة! تأكل لذة وتخرج سُرُحًا١، لقد كان ملك من ملوك هذه القرية يرى الغلام من غلمانه يأتي الجبّ فيكتال٢ منه ثم يجرجر قائمًا فيقول: يا ليتني مثلك ما يشرب حتى يقطع عنقه٣ العطش، فإذا شرب كان له في تلك الشربة موتات، يا لها نعمة"٤.

وكتب بعض العلماء إلى أخ له: "أما بعد: فقد أصبح بنا من نعم اللَّه ما لا نحصيه مع كثرة ما نعصيه، فما ندري أيهما نشكر، أجميل ما نشر أم قبيح ما ستر؟ "٥.

وقيل للحسن: هاهنا رجل لا يجالس الناس، فجاء إليه فسأله عن ذلك فقال: إني أمسي وأصبح بين ذنب ونعمة، فرأيت أن أشغل نفسي

  1. = وفي سنده عمرو بن واقد، متروك كما في "التقريب ص ٧٤٨".
  2. (١) في الأصل والنسخ الثلاث: "مسرحًا". والتصويب من "النهاية" لابن الأثير ومن مصادر التخريج.
    وسُرُحًا أي: سهلًا سريعًا. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٣٥٨).
  3. (٢) هكذا في الأصل والنسخ الثلاث، ولعل الصواب: "فيكتاز" أي: يغترف بالكوز. كما في "النهاية" لابن الأثير (٤/ ٢٠٩)، ومصدري التخريج.
  4. (٣) في "الشكر - طبعة ابن كثير وهي أتم": "عَيْفَة" ومعناها بقية كما في "النهاية" (٣/ ٣٣٠).
  5. (٤) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٩٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٧٥). والعبارة في "الشكر - طبعة ابن كثير": "يا لها من نعمة تأكل لذة وتخرج سرحًا". فلعلها سقطت من النسخ.
    وكان هذا الملك يرى ما يكون من غلامه نعمة، إذ كان به احتباس بول، كما في "النهاية" لابن الأثير (٤/ ٢٠٩).
  6. (٥) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٩٤).
282

عن الناس بالاستغفار من الذنب وأشكر اللَّه على النعمة، فقال الحسن: أنت عندي يا عبد اللَّه أفقه من الحسن، فالزم ما أنت عليه١.

وقال ابن المبارك: سمعت علي بن صالح يقول في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. قال: "أي: من طاعتي"٢.

والتحقيق: أن الزيادة من النعم، وطاعته من أجلّ نعمه.

وذكر ابن أبي الدنيا: أن مُحارب بن دِثار٣ كان يقول بالليل ويرفع صوته أحيانا: "أنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد، أنا الضعيف الذي قوّيته فلك الحمد، وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد، وأنا الصعلوك الذي موّلته فلك الحمد، وأنا العزب الذي زوجته فلك الحمد، وأنا الساغب٤ الذي أشبعته. فلك الحمد، وأنا العاري الذي كسوته فلك الحمد٥، وأنا المسافر الذي صاحبته فلك الحمد، وأنا الغائب الذي رددته فلك الحمد، وأنا الراجل الذي حملته فلك الحمد، وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد، وأنا السائل الذي أعطيته فلك الحمد، وأنا الداعي الذي أجبته فلك الحمد، ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا"٦.

  1. (١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٩٦).
  2. (٢) "الزهد" لابن المبارك رقم (٣٢٠).
    ورواه ابن جرير في "تفسيره" (١٣/ ١٨٦)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٩٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٣٠).
  3. (٣) هو محارب بن دثار، الكوفي، القاضي، ثقة إمام زاهد. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٩٢٢).
  4. (٤) الساغب أي: الجائع. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٣٧١).
  5. (٥) جملة: "وأنا العاري الذي كسوته فلك الحمد". مكررة في الأصل.
  6. (٦) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٩٩)، وفي "التهجد" رقم (٤٧)، =
283

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي