وكان بعض الخطباء يقول في خطبته: "اختطّ لك الأنف فأقامه وأتمه، فأحسن تمامه، ثم أدار منك الحدقة فجعلها بجفون مطبقة وبأشفار١ معلّقة، ونقلك من طبقة إلى طبقة، وحنّن عليك الوالدين برقة ومِقة٢، فنعمه عليك مورقة، وأياديه بك محدقة"٣.
وكان بعض العلماء يقول في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾[إبراهيم: ٣٤]: "سبحان من لم يجعل لحد معرفة نعمه إلا المعرفة٤ بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل لحد إدراكه أكثر من العلم أنه لا يدركه، فجعل معرفة نعمه بالتقصير عن معرفتها شكرًا، كما شكر علم العالمين أنهم لا يدركونه فجعله إيمانًا، علمًا منه أن العباد لا يتجاوزن ذلك"٥.
وقال عبد اللَّه بن المبارك: أخبرنا المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "خصلتان من كانتا فيه كتبه اللَّه صابرًا شاكرًا، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه صابرًا ولا شاكرًا؛ من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ومن نظر في دنياه
= والآجري في "الشريعة" ص ٩٨ - ٩٩، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٩٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥٧/ ٦٢ - ٦٣).
(١) الشُّفر حرف جَفْن العين ينبت عليه الشعر. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٤٨٤).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٠٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٦٤).
(٤) في (م) و(ن): "الاعتراف". وفي (ب): "العلم".
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٠٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٦٢٤).
إلى من هو دونه فحمد اللَّه على ما فضله به عليه، كتبه اللَّه صابرًا شاكرًا، ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه، فأسف على ما فاته منه، لم يكتبه اللَّه صابرًا ولا شاكرًا"١.
وبهذا الإسناد عن عبد اللَّه بن عمرو موقوفًا عليه: "أربع خصال من كنّ فيه بنى اللَّه له بيتًا في الجنة: من كان عصمة أمره لا إله إلا اللَّه، وإذا أصابته مصيبة قال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، وإذا أعطي شيئًا قال: الحمد للَّه، وإذا أذنب ذنبًا قال: أستغفر اللَّه"٢.
وقال ابن المبارك: عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ٣﴾[الإسراء: ٣] قال: "لم يأكل شيئًا إلا حمد اللَّه عليه، ولم يشرب شرابًا قط إلا حمد اللَّه عليه، ولم يمشِ مشيًا قط إلا حمد اللَّه عليه، ولم يبطش بشيء قط إلا حمد اللَّه عليه، فأثنى اللَّه عليه أنه كان عبدًا شكورًا"٣.
وقال محمد بن كعب القرظي: "كان نوح إذا أكل قال: الحمد للَّه، وإذا شرب قال: الحمد للَّه، وإذا لبس قال: الحمد للَّه، وإذا ركب قال: الحمد للَّه، فسمّاه اللَّه عبدًا شكورًا"٤.
(١) "الزهد" لابن المبارك رقم (١٨٠) -زوائد نعيم-. ورواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٥١٢)، وقال: "حسن غريب".
(٢) "الزهد" لابن المبارك (١٨٢) -زوائد نعيم-. ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٠٥).
(٣) "الزهد" لابن المبارك رقم (٩٤١). ورواه ابن جرير في "تفسيره" (١٥/ ١٩)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٠٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٧٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٢/ ٢٧٤).
(٤) رواه ابن المبارك في "الزهد" رقم (٩٤٠)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" =