عدة الصابرين

إلى من هو دونه فحمد اللَّه على ما فضله به عليه، كتبه اللَّه صابرًا شاكرًا، ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه، فأسف على ما فاته منه، لم يكتبه اللَّه صابرًا ولا شاكرًا"١.

وبهذا الإسناد عن عبد اللَّه بن عمرو موقوفًا عليه: "أربع خصال من كنّ فيه بنى اللَّه له بيتًا في الجنة: من كان عصمة أمره لا إله إلا اللَّه، وإذا أصابته مصيبة قال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، وإذا أعطي شيئًا قال: الحمد للَّه، وإذا أذنب ذنبًا قال: أستغفر اللَّه"٢.

وقال ابن المبارك: عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ٣﴾ [الإسراء: ٣] قال: "لم يأكل شيئًا إلا حمد اللَّه عليه، ولم يشرب شرابًا قط إلا حمد اللَّه عليه، ولم يمشِ مشيًا قط إلا حمد اللَّه عليه، ولم يبطش بشيء قط إلا حمد اللَّه عليه، فأثنى اللَّه عليه أنه كان عبدًا شكورًا"٣.

وقال محمد بن كعب القرظي: "كان نوح إذا أكل قال: الحمد للَّه، وإذا شرب قال: الحمد للَّه، وإذا لبس قال: الحمد للَّه، وإذا ركب قال: الحمد للَّه، فسمّاه اللَّه عبدًا شكورًا"٤.

  1. (١) "الزهد" لابن المبارك رقم (١٨٠) -زوائد نعيم-. ورواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٥١٢)، وقال: "حسن غريب".
  2. (٢) "الزهد" لابن المبارك (١٨٢) -زوائد نعيم-. ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٠٥).
  3. (٣) "الزهد" لابن المبارك رقم (٩٤١).
    ورواه ابن جرير في "تفسيره" (١٥/ ١٩)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٠٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٧٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٢/ ٢٧٤).
  4. (٤) رواه ابن المبارك في "الزهد" رقم (٩٤٠)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" =
285

قال ابن أبي الدنيا: بلغني عن بعض الحكماء قال: "لو لم يعذّب اللَّه على معصيته، لكان ينبغي أن لا يُعصى لشكر نعمته"١.

فصل

وللَّه ﵎ على عبده نوعان من الحقوق لا ينفك منهما:

أحدهما: أمره ونهيه، الذي هو محض حقه عليه.

والثاني: شكر نعمه، التي أنعم بها عليه.

فهو سبحانه يطالبه بشكر نعمه وبالقيام بأمره، فمشهد الواجب عليه لا يزال يُشهده تقصيره وتفريطه وأنه محتاج إلى عفو اللَّه ومغفرته، فإن لم يتداركه بذلك هلك.

وكلّما كان أفقه في دين اللَّه كان شهوده للواجب عليه أتمّ، وشهوده لتقصيره أعظم، وليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة بل بالقيام مع ذلك بالأوامر المحبوبة للَّه.

وأكثر الديّانين لا يعبأون منها إلا بما يشاركهم فيه عموم الناس. وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة للَّه ورسوله وعباده ونصرة اللَّه ورسوله وكتابه ودينه فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم، فضلًا عن أن يريدوا أفضلها، فضلًا عن أن يفعلوه.

  1. = رقم (٢٠٧)، وعبد اللَّه بن أحمد في "زوائد الزهد" للإمام أحمد رقم (٢٨١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٧٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٢/ ٢٧٤).
  2. (١) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (٢٠٨). ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٤٨).
286

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي