والتقوى مبنية على أصلين: الصبر والشكر، وكل من الغني والفقير لا بد له منهما، فمن كان صبرُه وشكرُه أتمّ كان أفضل.
فإن قيل: فإذا كان صبر الفقير أتمّ وشكر الغني أتمّ فأيهما أفضل؟
قيل: أفضلهما أتقاهما للَّه في وظيفته ومقتضى حاله، ولا يصح التفضيل بغير هذا ألبتة، فإن الغني قد يكون أتقى للَّه في شكره من الفقير في صبره، وقد يكون الفقير أتقى للَّه في صبره من الغني في شكره، فلا يصح أن يقال: هذا بِغِناه أفضل ولا هذا بفقره أفضل.
ولا يصح أن يقال: هذا بالشكر أفضل من هذا بالصبر، ولا بالعكس، لأنهما مطيّتان للإيمان لا بد منهما، بل الواجب أن يقال: أقومهما بالواجب والمندوب هو الأفضل، فإن التفضيل تابع لهذين الأمرين، كما قال تعالى في الأثر الإلهي: "وما تقرّب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه"١.
فأيّ الرجلين كان أقوم بالواجبات وأكثر نوافل كان أفضل.
فإن قيل: فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "يدخل فقراء أمّتي الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، وذلك خمسمائة عام"٢.
= عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر إلا من هذا الوجه".
(١) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٥٠٢)، من حديث أبي هريرة ﵁ نحوه.
(٢) رواه أحمد في "المسند" ٢/ ٣٤٢، والترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٥٤)، وابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٢٢)، من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
قيل: هذا لا يدل على فضلهم على الأغنياء في الدرجة وعلوّ المنزلة وإن سبقوهم في الدخول، فقد يتأخر الغنيّ والسلطان العادل في الدخول لحسابه، فإذا دخل كانت درجته أعلى ومنزلته أرفع، كما يسبق الفقير القَفَل١ في المضايق وغيرها، ويتأخر صاحب الأحمال بعده٢.
فإن قيل: فقد قال ﷺ للفقراء لما شكوا إليه زيادة عمل الأغنياء عليهم بالعتق والصدقة: "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه أدركتم به من سبقكم" فدلّهم على التسبيح والتحميد والتكبير عقيب كل صلاة، فلما سمع الأغنياء ذلك عملوا به، فذكروا ذلك للنبي ﷺ: فقال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾٣[الحديد: ٢١].
وهذا يدل على ترجيح حال الغني الشاكر.
قيل: هذا حجة للقول الذي نصرناه، وهو: أن أفضلهما أكثرهما نوافل، فإن استويا استويا وهاهنا قد ساوى الأغنياء الفقراء في أعمالهم المفروضة والنافلة، وزادوا عليهم بنوافل العتق والصدقة، ففضلوهم بذلك، فساووهم في صبرهم على الجهاد والأذى في اللَّه والصبر على المقدور، وزادوا عليهم بالشكر بنوافل المال، فلو كان للفقراء بصبرهم نوافل تزيد على نوافل الأغنياء لفضلوهم بها.
فإن قيل: فالنبي ﷺ عرضت عليه مفاتيح كنوز الدنيا فردّها، وقال:
(١) القَفَل بمعنى القافلة، انظر "لسان العرب" (١١/ ٥٦٠).
(٢) في الأصل: "بعدها": والتصويب من النسخ الأخرى.
(٣) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٥٩٥) من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه البخاري في "صحيحه" رقم (٨٤٣) دون فوله: "فلما سمع الأغنياء. . . " الخ.