قيل: هذا لا يدل على فضلهم على الأغنياء في الدرجة وعلوّ المنزلة وإن سبقوهم في الدخول، فقد يتأخر الغنيّ والسلطان العادل في الدخول لحسابه، فإذا دخل كانت درجته أعلى ومنزلته أرفع، كما يسبق الفقير القَفَل١ في المضايق وغيرها، ويتأخر صاحب الأحمال بعده٢.
فإن قيل: فقد قال ﷺ للفقراء لما شكوا إليه زيادة عمل الأغنياء عليهم بالعتق والصدقة: "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه أدركتم به من سبقكم" فدلّهم على التسبيح والتحميد والتكبير عقيب كل صلاة، فلما سمع الأغنياء ذلك عملوا به، فذكروا ذلك للنبي ﷺ: فقال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾٣[الحديد: ٢١].
وهذا يدل على ترجيح حال الغني الشاكر.
قيل: هذا حجة للقول الذي نصرناه، وهو: أن أفضلهما أكثرهما نوافل، فإن استويا استويا وهاهنا قد ساوى الأغنياء الفقراء في أعمالهم المفروضة والنافلة، وزادوا عليهم بنوافل العتق والصدقة، ففضلوهم بذلك، فساووهم في صبرهم على الجهاد والأذى في اللَّه والصبر على المقدور، وزادوا عليهم بالشكر بنوافل المال، فلو كان للفقراء بصبرهم نوافل تزيد على نوافل الأغنياء لفضلوهم بها.
فإن قيل: فالنبي ﷺ عرضت عليه مفاتيح كنوز الدنيا فردّها، وقال:
(١) القَفَل بمعنى القافلة، انظر "لسان العرب" (١١/ ٥٦٠).
(٢) في الأصل: "بعدها": والتصويب من النسخ الأخرى.
(٣) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٥٩٥) من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه البخاري في "صحيحه" رقم (٨٤٣) دون فوله: "فلما سمع الأغنياء. . . " الخ.
"بل أشبع يومًا وأجوع يومًا"١.
وقال هشام بن عروة أعن أبيه،٢ عن عائشة ﵂ قالت: "خرج رسول اللَّه ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز البرّ"٣، و"مات ودرعه مرهونة عند يهودي على طعام أخذه لأهله"٤.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا"٥.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن محمد حدثنا عباد بن عباد حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: دَخَلَتْ عليّ امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول اللَّه ﷺ عباءة مثنية، فرجعت إلى منزلها، فبعثت إليّ بفراش حشوه الصوف، فدخل على رسول اللَّه
(١) سبق تخريجه ص (٢١٥).
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى، ومن مصادر التخريج.
(٣) رواه أحمد في "الزهد" رقم (١٨). ورواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٧٠) بلفظ: "ما شبع آل محمد ﷺ من خبز البرّ ثلاثًا، حتى مضى لسبيله".
(٤) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٩١٦)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦٠٣) عن عائشة ﵂. ولفظ البخاري: "توفي رسول اللَّه ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير". وليس في لفظ مسلم ذكر الوفاة.
(٥) "الزهد" رقم (٣٦)، و"المسند" (٢/ ٤٤٦). ورواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٤٦٠)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٠٥٥) عن عمارة به.