عدة الصابرين

"بل أشبع يومًا وأجوع يومًا"١.

وقال هشام بن عروة أعن أبيه،٢ عن عائشة ﵂ قالت: "خرج رسول اللَّه ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز البرّ"٣، و"مات ودرعه مرهونة عند يهودي على طعام أخذه لأهله"٤.

وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا"٥.

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن محمد حدثنا عباد بن عباد حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: دَخَلَتْ عليّ امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول اللَّه ﷺ عباءة مثنية، فرجعت إلى منزلها، فبعثت إليّ بفراش حشوه الصوف، فدخل على رسول اللَّه

  1. (١) سبق تخريجه ص (٢١٥).
  2. (٢) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى، ومن مصادر التخريج.
  3. (٣) رواه أحمد في "الزهد" رقم (١٨).
    ورواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٧٠) بلفظ: "ما شبع آل محمد ﷺ من خبز البرّ ثلاثًا، حتى مضى لسبيله".
  4. (٤) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٩١٦)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦٠٣) عن عائشة ﵂. ولفظ البخاري: "توفي رسول اللَّه ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير". وليس في لفظ مسلم ذكر الوفاة.
  5. (٥) "الزهد" رقم (٣٦)، و"المسند" (٢/ ٤٤٦).
    ورواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٤٦٠)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٠٥٥) عن عمارة به.
300

ﷺ فقال: "ما هذا؟ " فقلت: فلانة الأنصارية دخلت عليّ فرأت فراشك فبعثت إليّ بهذا. فقال: "رُدّيه" فلم أردَّه، وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال لي ذلك ثلاث مرات، فقال: "يا عائشة رُدِّيه، فواللَّه لو شئتُ لأجرى اللَّه معي جبال الذهب والفضة" فرددته١.

ولم يكن اللَّه سبحانه يختار لرسوله إلا الأفضل، هذا مع أنه لو أخذ الدنيا لأنفقها كلها في مرضاة اللَّه ﷿، ولكان شكره بها فوق شكر جميع الناس.

قيل: قد احتج بحال رسول اللَّه ﷺ كل واحدة من الطائفتين.

والتحقيق: أن اللَّه سبحانه جمع له بين المقامين كليهما على أتم الوجوه، فكان سيد الأغنياء الشاكرين وسيد الفقراء الصابرين، فحصل له من الصبر على الفقر ما لم يحصل لأحد سواه، ومن الشكر على الغنى ما لم يحصل لغني سواه.

ومن تأمل سيرته وجد الأمر كذلك، فكان ﷺ أصبر الخلق في مواطن الصبر، وأشكر الخلق في مواطن الشكر، وربه تعالى كمّل له مراتب الكمال فجعله في أعلى رتب الأغنياء الشاكرين، وفي أعلى مراتب الفقراء الصابرين، قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨].

وأجمع المفسرون على أن العائل هو الفقير، يُقال: عال الرجل

  1. (١) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٧٦).
    ورواه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ٤٦٥)، والطبراني في "الأوسط" رقم (٦٠٢٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٤٦٨). وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٢٤٨٤).
301

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي