أحدها: أنه لا يعرف في اللغة عال يعول إذا كثر عياله، وإنما المعروف في ذلك عال يَعيل، وأما عال يعول فهو بمعنى الجور ليس إلا، هذا الذي ذكره أهل اللغة قاطبة.
الثاني: أنه سبحانه قابل ذلك بالعدل الذي نقلهم عند خوفهم من فقده إلى الواحدة أو التسري بما شاؤوا من ملك أيمانهم، ولا يحسن هذا التعليل بعدم العيال.
يوضحه:
الوجه الثالث: أنه سبحانه نقلهم عند الخوف من عدم القسط في نكاح اليتامى إلى نكاح من سواهن من النساء، لئلا يقعوا في ظلم أزواجهم٢ اليتامى؛ وجوّز لهم نكاح الواحدة وما فوقها إلى الأربع، ثم نقلهم عند خوف الجور وعدم العدل في القسمة إلى الواحدة أو النوع الذي لا قسمة عليهم في الاستمتاع بهن، وهن الإماء. فانتظمت الآية
(١) في الأصل مكان هذه العبارة: "تجوروا". وقد كتب عليها في الهامش: "ينظر". والتصويب من (ب)، وهو الموافق للسياق، واللَّه أعلم.
(٢) في الأصل: "أزواجهن"، والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
ببيان الجائز من نكاح اليتامى والبوالغ والأولى من ذينك القسمين عند خوف الظلم، والجائز من نكاح الواحدة وما فوقها، والأولى من هذين القسمين عند خوف العول، فما لكثرة العيال مدخل هنا ألبتة.
يوضحه:
الوجه الرابع: أنه لو كان المحذور كثرة العيال لما نقلهم إلى ما شاءوا من الإماء بلا عدد؛ فإن العيال كما يكونوا من الزوجات يكونوا من الإماء، ولا فرق؛ فإنه لم ينقلهم إلى إماء الاستخدام بل إلى إماء الاستفراش.
يوضحه:
الوجه الخامس: أن كثرة العيال ليس أمرًا محذورًا مكروهًا للرب تعالى، كيف وخير هذه الأمة أكثرها نساء١؟!
وقد قال النبي ﷺ: "تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم"٢، فأمر بنكاح الولود؛ ليحصل منها ما يكاثر به الأمم يوم القيامة.
والمقصود أنه سبحانه جعل نبيه غنيًّا شاكرًا بعد أن كان فقيرًا صابرًا، فلا تحتج به طائفة لحالها إلا كان للطائفة الأخرى أن تحتج به
(١) قاله ابن عباس لسعيد بن جبير حيث سأله: "هل تزوجت؟ قال: لا، فقال له ابن عباس: فتزوج، فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء". رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٥٠٦٩).
(٢) رواه أبو داود في "سننه" رقم (٢٠٥٠)، والنسائي في "المجتبى" رقم (٣٢٢٧)، عن معقل بن يسار. وصححه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٦٢)، ووافقه الذهبي.