قيل: هذا حديث لا يحتج بإسناده، وقد أدخله أبو الفرج هو والذي قبله في كتاب "الموضوعات"، وقال: أما عبيد اللَّه بن زحر فقال يحيى: ليس بشيء، وعلي بن يزيد٢ متروك، وقال ابن حبان: عبيد اللَّه يروي الموضوعات عن الأثبات وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد اللَّه بن زحر وعليّ بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن، لم يكن متن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم٣.
قال أبو الفرج: وبمثل هذا الحديث الباطل يتعلق جَهَلة٤ المتزهدين، ويرون أن المال مانع من السبق إلى الخير، ويقولون: إذا كان ابن عوف يدخل الجنة زحفًا لأجل ماله، كفى ذلك في ذم المال، والحديث لا يصح، وحُوشيَ عبدُ الرحمن المشهودُ له بالجنة أن يمنعه ماله السبق؛ لأن جمع المال مباح، وإنما المذموم كسبه من غير وجهه، ومنع الحق الواجب فيه، وعبد الرحمن منزّه عن الحالين.
وقد خلّف طلحة ثلاثمائة حمل من الذهب، وخلّف الزبير وغيره،
(١) "المسند" (٥/ ٢٥٩). ورواه الطبراني في "الكبير" رقم (٧٩٢٣). وقال الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٥٣٤٦): "منكر جدًّا".
(٢) في الأصل هنا وفيما يأتي: "زيد"، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) "الموضوعات" لابن الجوزي (٢/ ١٤ - ١٥).
(٤) في الأصل و(ب): "جملة"، وهو تحريف.
ولو علموا أن ذلك مذموم لأخرجوا الكل. وكم قاصّ يتشوّف بمثل هذا الحديث يحثّ على الفقر ويذم الغنى، فلله در العلماء الذين يعرفون الصحيح ويفهمون الأصول، انتهى كلامه١.
قلت: وقد بالغ في رد هذا الحديث، وتجاوز في إدخاله في الأحاديث الموضوعة المختلقة على رسول اللَّه ﷺ، وكأنه٢ استعظم احتباس عبد الرحمن بن عوف وهو أحد السابقين الأولين المشهود لهم بالجنة عن السبق إليها ودخوله الجنة حبوًا، ورأى ذلك مناقضًا لسبقه ومنزلته التي أعدها اللَّه له في الجنة، وهذا وهم منه ﵀.
وهب أنه وجد السبيل إلى الطعن في هذين الخبرين، أفيجد سبيلًا إلى القدح في حديث أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، وهو خمسمائة عام". قال الترمذي: حديث حسن صحيح٣؟
وفي حديث ابن عمرو٤ الذي رواه مسلم في "صحيحه" عن النبي ﷺ: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة بأربعين خريفًا"٥.
(١) "الموضوعات" لابن الجوزي (٢/ ١٣ - ١٤). قاله بعد حديث عائشة ﵂ السابق.
(٢) الأصل و(م): "وكان" والمثبت من (ن، ب).
(٣) سبق تخريجه (٣٠٠).
(٤) في الأصل وسائر النسخ: "ابن عمر". وهو سهو. والتصويب من "صحيح مسلم". ومما يدل على ذلك أنه سيأتي عند المصنف مرة أخرى ص (٣٩٧) على الصواب.