عدة الصابرين

فهؤلاء الثلاثة في الخسران.

الرابع: متوصل بها إلى ما ينفعه في معاشه ومعاده، وهو الرابح.

قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ١٥ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٦﴾ [هود: ١٥ - ١٦].

وقد أشكل فهمُ هذه الآية على كثير من الناس، حيث فهموا منها: أن من كان له إرادة في الدنيا وزينتها فله هذا الوعيد، ثم اختلفوا في معناها:

- فقالت طائفة منهم ابن عباس: من كان يريد تعجيل الدنيا فلا يؤمن بالبعث ولا بالثواب والعقاب. قالوا: فالآية في الكفار خاصة على قول ابن عباس.

وقال قتادة: من كانت الدنيا همّه وسدمه١ ونيته وطَلَبه جازاه اللَّه في الدنيا بحسناته٢، ثم يُفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يُجَازى بها، وأما المؤمن فيُجزى في الدنيا بحسناته، ويثاب عليها في الآخرة.

قال هؤلاء: فالآية في٣ حق الكفار بدليل قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٦﴾ [هود: ١٦].

  1. (١) تحرفت في (ن): "بشدته" السّدم: اللهج والولوع بالشيء. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٣٥٥).
  2. (٢) الأصل: "وطلبته. . . في حسناته"! والمثبت من بقية النسخ.
  3. (٣) "في" ساقطة من الأصل، واستدركتها من (م) و(ن).
316

قالوا: والمؤمن يريد الدنيا والآخرة، فأما من كانت إرادته مقصورة على الدنيا فليس بمؤمن١.

- وقال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه: نزلت في أهل القبلة.

قال مجاهد: هم أهل الرياء.

وقال الضحاك: من عمل صالحًا من أهل الإيمان من غير تقوى عجّل له ثواب عمله في الدنيا٢.

واختار الفراء هذا القول، وقال: من أراد بعمله من أهل القبلة ثواب الدنيا عجل له ثوابه ولم يبخس٣.

وهذا القول أرجح، ومعنى الآية على هذا: من كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها، وهذا لا يكون مؤمنًا ألبتة، فإن العاصي والفاسق ولو بالغا في المعصية والفسق فإيمانهما يحملهما على أن يعملا أعمال البر للَّه، فيريدان بأعمال البرّ٤ وجه اللَّه وإن عملا بمعصيته، فأما من لم يرد بعمله وجه اللَّه إنما أراد به الدنيا وزينتها فهذا لا يدخل في دائرة أهل الإيمان. وهذا هو الذي فهمه معاوية من الآية، واستشهد بها على حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في

  1. (١) انظر: "تفسير ابن جرير" (١٢/ ١١) لقول ابن عباس ﵁. و(١٢/ ١٢) لقول قتادة.
  2. (٢) انظر لقول مجاهد والضحاك: "تفسير ابن جرير" (١٢/ ١٢)، و"زوائد نعيم بن حماد على الزهد لابن المبارك" رقم (٦٠).
    وانظر لقول ابن عباس في رواية أبي صالح: "زاد المسير" (٤/ ٨٤).
  3. (٣) انظر "معاني القرآن": (٢/ ٦) للفراء.
  4. (٤) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
317

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي