قالوا: والمؤمن يريد الدنيا والآخرة، فأما من كانت إرادته مقصورة على الدنيا فليس بمؤمن١.
- وقال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه: نزلت في أهل القبلة.
قال مجاهد: هم أهل الرياء.
وقال الضحاك: من عمل صالحًا من أهل الإيمان من غير تقوى عجّل له ثواب عمله في الدنيا٢.
واختار الفراء هذا القول، وقال: من أراد بعمله من أهل القبلة ثواب الدنيا عجل له ثوابه ولم يبخس٣.
وهذا القول أرجح، ومعنى الآية على هذا: من كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها، وهذا لا يكون مؤمنًا ألبتة، فإن العاصي والفاسق ولو بالغا في المعصية والفسق فإيمانهما يحملهما على أن يعملا أعمال البر للَّه، فيريدان بأعمال البرّ٤ وجه اللَّه وإن عملا بمعصيته، فأما من لم يرد بعمله وجه اللَّه إنما أراد به الدنيا وزينتها فهذا لا يدخل في دائرة أهل الإيمان. وهذا هو الذي فهمه معاوية من الآية، واستشهد بها على حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في
(١) انظر: "تفسير ابن جرير" (١٢/ ١١) لقول ابن عباس ﵁. و(١٢/ ١٢) لقول قتادة.
(٢) انظر لقول مجاهد والضحاك: "تفسير ابن جرير" (١٢/ ١٢)، و"زوائد نعيم بن حماد على الزهد لابن المبارك" رقم (٦٠). وانظر لقول ابن عباس في رواية أبي صالح: "زاد المسير" (٤/ ٨٤).
(٣) انظر "معاني القرآن": (٢/ ٦) للفراء.
(٤) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
"صحيحه"١ في الثلاثة الذين هم أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة: القارئ الذي قرأ القرآن ليقال: فلان قارئ، والمتصدق الذي أنفق أمواله ليقال: فلان جواد، والغازي الذي قُتل في الجهاد ليقال: هو جريء٢.
وكما أن خيار خلق اللَّه هم النبيُّون والصديقون والشهداء والصالحون، فشرار الخلق من تشبّه بهم وليس منهم، فمن تشبّه بأهل الصدق والإخلاص وهو مرائي، كمن تشبّه بالأنبياء وهو كاذب.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن إدريس قال: أخبرني عبد الحميد بن صالح حدثنا قطرب بن الحباب٣ عن عبد الوارث عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إذا كان يوم القيامة صارت أمتي ثلاث فرق: فرقة يعبدون اللَّه ﷿ للدنيا، وفرقة يعبدونه رياء وسمعة، وفرقة يعبدونه لوجهه ولداره، فيقول للذين يعبدونه للدنيا: بعزتي وجلالي ومكاني ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون: بعزتك وجلالك ومكانك٤: الدنيا، فيقول: إني لم أقبل من ذلك شيئًا اذهبوا بهم إلى
(١) "صحيح مسلم" رقم (١٩٠٥).
(٢) الحديث رواه مسلم في "صحيحه"، أما استشهاد معاوية به على ما فهمه من الآية، فرواه: الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٨٢) وقال: "حديث حسن غريب".
(٣) هكذا في الأصل: "قطرب بن الحباب". وفي النسخ الثلاث الأخرى: "قطن بن الحباب". وفي "ذم الدنيا": "قطري الخشاب"، ولعله الصواب، وانظر في ترجمة قطري: "التاريخ الكبير" (٧/ ٢٠٣)، و"تاريخ بن معين" -رواية الدوري رقم (٢٩٦٧) -.
(٤) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.