"صحيحه"١ في الثلاثة الذين هم أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة: القارئ الذي قرأ القرآن ليقال: فلان قارئ، والمتصدق الذي أنفق أمواله ليقال: فلان جواد، والغازي الذي قُتل في الجهاد ليقال: هو جريء٢.
وكما أن خيار خلق اللَّه هم النبيُّون والصديقون والشهداء والصالحون، فشرار الخلق من تشبّه بهم وليس منهم، فمن تشبّه بأهل الصدق والإخلاص وهو مرائي، كمن تشبّه بالأنبياء وهو كاذب.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن إدريس قال: أخبرني عبد الحميد بن صالح حدثنا قطرب بن الحباب٣ عن عبد الوارث عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إذا كان يوم القيامة صارت أمتي ثلاث فرق: فرقة يعبدون اللَّه ﷿ للدنيا، وفرقة يعبدونه رياء وسمعة، وفرقة يعبدونه لوجهه ولداره، فيقول للذين يعبدونه للدنيا: بعزتي وجلالي ومكاني ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون: بعزتك وجلالك ومكانك٤: الدنيا، فيقول: إني لم أقبل من ذلك شيئًا اذهبوا بهم إلى
(١) "صحيح مسلم" رقم (١٩٠٥).
(٢) الحديث رواه مسلم في "صحيحه"، أما استشهاد معاوية به على ما فهمه من الآية، فرواه: الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٨٢) وقال: "حديث حسن غريب".
(٣) هكذا في الأصل: "قطرب بن الحباب". وفي النسخ الثلاث الأخرى: "قطن بن الحباب". وفي "ذم الدنيا": "قطري الخشاب"، ولعله الصواب، وانظر في ترجمة قطري: "التاريخ الكبير" (٧/ ٢٠٣)، و"تاريخ بن معين" -رواية الدوري رقم (٢٩٦٧) -.
(٤) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
النار. ويقول للذين كانوا يعبدونه رياء وسمعة: [بعزتي وجلالي ومكاني ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون: بعزتك وجلالك ومكانك: رياء وسمعة]١ قال: فإني لم أقبل من ذلك شيئًا، اذهبوا بهم إلى النار. ويقول للذين كانوا يعبدونه لوجهه وداره: بعزتي وجلالي ومكاني ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون: بعزتك وجلالك ومكانك: وجهك ودارك٢. فيقول: صدقتم اذهبوا بهم إلى الجنة"٣.
هذا حديث غني عن الإسناد، والقرآن والسنة شاهدان بصدقه، ويدل على صحة هذا القول في الآية قوله تعالى: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾[هود: ١٥]، فدلّ على أنها في قوم لهم أعمال لم يريدوا بها وجه اللَّه، وإنما أرادوا بها الدنيا ولها عملوا، فوفّاهم اللَّه ثواب أعمالهم فيها من غير بخس، فأفضوا إلى الآخرة بغير عمل يستحقون عليه الثواب. وهذا لا يقع ممن يؤمن بالآخرة إلا كما يقع منه كبائر الأعمال وقوعًا عارضًا يتوب منه ويراجع التوحيد.
قال ابن الأنباري٤: فعلى هذا القول المعنى: قومٌ من أهل الإسلام يعملون العمل الحسن لتستقيم لهم الدنيا، غير مفكرين في الآخرة وما ينقلبون إليه، فهؤلاء يعجّل لهم جزاء حسناتهم في الدنيا، فإذا جاءت
(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) "ذم الدنيا" لابن أبي الدنيا رقم (٤١٣). ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٦٨٠٨).
(٤) هو محمد بن القاسم بن محمد بن بشار البغدادي الحافظ الأديب النحوي اللغوي، توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، من تصانيفه: كتاب المشكل في معاني القرآن. انظر: "تاريخ بغداد": (٣/ ١٨٢).