عدة الصابرين

النار. ويقول للذين كانوا يعبدونه رياء وسمعة: [بعزتي وجلالي ومكاني ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون: بعزتك وجلالك ومكانك: رياء وسمعة]١ قال: فإني لم أقبل من ذلك شيئًا، اذهبوا بهم إلى النار. ويقول للذين كانوا يعبدونه لوجهه وداره: بعزتي وجلالي ومكاني ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون: بعزتك وجلالك ومكانك: وجهك ودارك٢. فيقول: صدقتم اذهبوا بهم إلى الجنة"٣.

هذا حديث غني عن الإسناد، والقرآن والسنة شاهدان بصدقه، ويدل على صحة هذا القول في الآية قوله تعالى: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥]، فدلّ على أنها في قوم لهم أعمال لم يريدوا بها وجه اللَّه، وإنما أرادوا بها الدنيا ولها عملوا، فوفّاهم اللَّه ثواب أعمالهم فيها من غير بخس، فأفضوا إلى الآخرة بغير عمل يستحقون عليه الثواب. وهذا لا يقع ممن يؤمن بالآخرة إلا كما يقع منه كبائر الأعمال وقوعًا عارضًا يتوب منه ويراجع التوحيد.

قال ابن الأنباري٤: فعلى هذا القول المعنى: قومٌ من أهل الإسلام يعملون العمل الحسن لتستقيم لهم الدنيا، غير مفكرين في الآخرة وما ينقلبون إليه، فهؤلاء يعجّل لهم جزاء حسناتهم في الدنيا، فإذا جاءت

  1. (١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
  2. (٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
  3. (٣) "ذم الدنيا" لابن أبي الدنيا رقم (٤١٣). ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٦٨٠٨).
  4. (٤) هو محمد بن القاسم بن محمد بن بشار البغدادي الحافظ الأديب النحوي اللغوي، توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، من تصانيفه: كتاب المشكل في معاني القرآن. انظر: "تاريخ بغداد": (٣/ ١٨٢).
319

الآخرة كان جزاؤهم عليها النار، إذ لم يريدوا بها وجه اللَّه، ولم يقصدوا التماس ثوابه وأجره.

ثم أورد أصحاب هذا القول على أنفسهم سؤالًا قالوا: فإن قيل: الآية الثانية على هذا القول توجب تخليد المؤمن المريد بعمله الدنيا في النار.

وأجابوا عنه: بأن ظاهر الآية يدل على أن من راءى بعمله ولم يلتمس به ثواب الآخرة بل كانت نيته به الدنيا، فإن اللَّه يبطل إيمانه عند الموافاة، فلا يوافي ربه بالإيمان.

قالوا: ويدل عليه قوله: ﴿وحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٦﴾ [هود: ١٦]، وهذا يتناول الإيمان وفروعه.

وأجابت فرقة أخرى: بأن الآية لا١ تقتضي الخلود الأبدي في النار، وإنما تقتضي أن الذي يستحقونه في الآخرة النار، وأنهم ليس لهم عمل صالح يرجون به النجاة، فإذا كان مع أحدهم عمود التوحيد فإنه يخرج به من النار مع من يخرج من أصحاب الكبائر الموحدين، وهذا جواب ابن الأنباري وغيره.

والآية بحمد اللَّه لا إشكال فيها. واللَّه سبحانه ذكر جزاء٢ من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهو النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه، فإذا حبط ما ينجو به وبطل لم يبقَ معه ما يُنجيه، فإن كان معه إيمان لم يرد به الحياة الدنيا وزينتها بل أراد به اللَّه ورسوله والدار الآخرة، لم يدخل هذا

  1. (١) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
  2. (٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
320

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي