عدة الصابرين

الآخرة كان جزاؤهم عليها النار، إذ لم يريدوا بها وجه اللَّه، ولم يقصدوا التماس ثوابه وأجره.

ثم أورد أصحاب هذا القول على أنفسهم سؤالًا قالوا: فإن قيل: الآية الثانية على هذا القول توجب تخليد المؤمن المريد بعمله الدنيا في النار.

وأجابوا عنه: بأن ظاهر الآية يدل على أن من راءى بعمله ولم يلتمس به ثواب الآخرة بل كانت نيته به الدنيا، فإن اللَّه يبطل إيمانه عند الموافاة، فلا يوافي ربه بالإيمان.

قالوا: ويدل عليه قوله: ﴿وحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٦﴾ [هود: ١٦]، وهذا يتناول الإيمان وفروعه.

وأجابت فرقة أخرى: بأن الآية لا١ تقتضي الخلود الأبدي في النار، وإنما تقتضي أن الذي يستحقونه في الآخرة النار، وأنهم ليس لهم عمل صالح يرجون به النجاة، فإذا كان مع أحدهم عمود التوحيد فإنه يخرج به من النار مع من يخرج من أصحاب الكبائر الموحدين، وهذا جواب ابن الأنباري وغيره.

والآية بحمد اللَّه لا إشكال فيها. واللَّه سبحانه ذكر جزاء٢ من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهو النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه، فإذا حبط ما ينجو به وبطل لم يبقَ معه ما يُنجيه، فإن كان معه إيمان لم يرد به الحياة الدنيا وزينتها بل أراد به اللَّه ورسوله والدار الآخرة، لم يدخل هذا

  1. (١) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
  2. (٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
320

الإيمان في العمل الذي حبط وبطل، وأنجاه إيمانه من الخلود في النار، وإن دخلها بحبوط عمله الذي به النجاة المطلقة.

فالإيمان إيمانان: إيمان يمنع دخول النار، وهو: الإيمان الباعث على أن تكون الأعمال للَّه يُبتغى بها وجهه وثوابه. وإيمان يمنع الخلود في النار، فإن كان مع المرائي شيء منه، وإلا كان من أهل الخلود، فالآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد، واللَّه الموفق.

وكذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠].

ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ١٨ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ١٩﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩].

فهذه ثلاثة مواضع من القرآن يشبه بعضها بعضًا، ويصدّق بعضها بعضًا، وتجتمع على معنى واحد، وهو: أن من كانت الدنيا مراده، ولها يعمل، وهي غاية كَدْحِهِ١، لم يكن له في الآخرة نصيب. ومن كانت الآخرة مراده، ولها عمله، وهي غاية سعيه، فهي له.

بقي أن يُقال: فما حكم من يريد الدنيا والآخرة، فإنه داخل تحت حكم الإرادتين فبأيهما يلحق؟

قيل: من هاهنا نشأ الإشكال وظن من ظن من المفسرين أن الآية في حق الكافر، فإنه هو الذي يريد الدنيا دون الآخرة، وهذا غير لازم طردًا ولا عكسًا؛ فإن بعض الكفار قد يريد الآخرة، وبعض المسلمين قد لا

  1. (١) في النسخ الثلاث الأخرى: "سعيه".
321

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي