عدة الصابرين

الإيمان في العمل الذي حبط وبطل، وأنجاه إيمانه من الخلود في النار، وإن دخلها بحبوط عمله الذي به النجاة المطلقة.

فالإيمان إيمانان: إيمان يمنع دخول النار، وهو: الإيمان الباعث على أن تكون الأعمال للَّه يُبتغى بها وجهه وثوابه. وإيمان يمنع الخلود في النار، فإن كان مع المرائي شيء منه، وإلا كان من أهل الخلود، فالآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد، واللَّه الموفق.

وكذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠].

ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ١٨ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ١٩﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩].

فهذه ثلاثة مواضع من القرآن يشبه بعضها بعضًا، ويصدّق بعضها بعضًا، وتجتمع على معنى واحد، وهو: أن من كانت الدنيا مراده، ولها يعمل، وهي غاية كَدْحِهِ١، لم يكن له في الآخرة نصيب. ومن كانت الآخرة مراده، ولها عمله، وهي غاية سعيه، فهي له.

بقي أن يُقال: فما حكم من يريد الدنيا والآخرة، فإنه داخل تحت حكم الإرادتين فبأيهما يلحق؟

قيل: من هاهنا نشأ الإشكال وظن من ظن من المفسرين أن الآية في حق الكافر، فإنه هو الذي يريد الدنيا دون الآخرة، وهذا غير لازم طردًا ولا عكسًا؛ فإن بعض الكفار قد يريد الآخرة، وبعض المسلمين قد لا

  1. (١) في النسخ الثلاث الأخرى: "سعيه".
321

يكون مراده إلا الدنيا، واللَّه تعالى قد علّق السعادة بإرادة الآخرة، والشقاوة بإرادة الدنيا، فإذا تجرّدت الإرادتان تجرّد موجبهما ومقتضاهما، وإن اجتمعتا فحكم اجتماعهما حكم اجتماع البر والفجور والطاعة والمعصية والإيمان والشرك في العبد.

وقد قال تعالى لخير الخلق بعد الرسول ﷺ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وهذا خطاب للذين شهدوا معه الوقعة ولم يكن فيهم منافق، ولهذا قال عبد اللَّه بن مسعود: "ما شعرت أن أحدَا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يريد الدنيا حتى كان يوم أحد ونزلت هذه الآية"١.

والذين أرادوا في هذه الآية هم الذين أخلوا مركزهم الذي أمرهم رسول اللَّه ﷺ بحفظه وهم من خيار المسلمين، ولكن هذه إرادة عارضة حملتهم على ترك المركز والإقبال على كسب الغنائم، بخلاف من كان مراده بعمله الدنيا وعاجلها، فهذه الإرادة لون وإرادة هؤلاء لون.

وههنا أمر يجب التنبّه له، وهو: أنه لا يمكن إرادة الدنيا وعاجلها بأعمال البر دون الآخرة مع الإيمان باللَّه ورسوله ولقائه أبدًا، فإن الإيمان باللَّه والدار الآخرة يستلزم إرادة العبد وجه اللَّه والدار الآخرة بأعماله،

  1. (١) رواه ابن جرير في "تفسيره" (٤/ ١٣٠)، وابن أبي عاصم في "الزهد" رقم (٢٠٣)، والطبراني في "الأوسط" رقم (١٣٩٩).
    ورواه بمعناه: أحمد في "المسند" (١/ ٤٦٣)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٦٧٨٣).
    وصححه السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٣٤٩).
322

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي