عدة الصابرين

يستطيع جعل الناس كلهم في عمله مثله"١.

وقال أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، قال: أخبرني سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال: قال عيسى ابن مريم: "يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارًا؟ " قالوا: يا روح اللَّه ومن يقدر على ذلك؟ قال: "إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارًا"٢.

وفي كتاب "الزهد" لأحمد: أن عيسى ابن مريم كان يقول: "بحق أقول لكم: إن أكل خبز البُرّ وشرب الماء العذْب ونومًا على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس"٣.

وفي "المسند" عنه ﷺ: "إن اللَّه ضرب طعام ابن آدم مثلًا للدنيا، وإن قزّحه وملّحه، فلينظر إلى ماذا يصير"٤.

  1. (١) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٤٨٤). ورواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (١٣٨).
  2. (٢) "الزهد" رقم (٣٢٥).
    ورواه أيضًا أحمد في "الزهد" رقم (٤٨١)، وابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٤٧٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٣٠) من غير طريق مكحول.
  3. (٣) "الزهد" رقم (٣٢٦).
    ورواه ابن عساكر في "تاريخ مشق" (٤٧/ ٤٤٣ - ٤٤٤).
  4. (٤) "المسند" (٥/ ١٣٦)، وهو من زوائد عبد اللَّه، من حديث أبي بن كعب ﵁.
    وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (٣٨٢).
    وقزّحه أي: تَوْبله من القِزْح وهو التابل الذي يُطرح في القدر، كالكمون والكزبرة ونحو ذلك. "النهاية" لابن الأثير (٤/ ٥٨).
328

فصل

ثم أخبر تعالى عنها أنها تفاخرٌ بيننا، يفاخر بعضُنا بعضًا بها، فيطلبها ليفخر بها على صاحبه، وهذا حال كل من طلب منها شيئًا للمفاخرة من مال أو جاه أو قوة أو علم أو زهد.

والمفاخرة نوعان: مذمومة ومحمودة.

فالمذمومة: مفاخرة أهل الدنيا بها.

والمحمودة: أن يطلب المفاخرة في الآخرة، فهذه من جنس المنافسة المأمور بها١، وهي أن الرجل ينفس على غيره بالشيء، أي: يغار أن يناله دونه، ويأنف من ذلك ويحمي أنفه له.

يُقال: نفِستُ عليه الشيءَ، أنفَسه نفاسة إذا ضننت به، ولم تحبّ أن يصير إليه دونك، والتنافس تفاعل من ذلك، كأن كل واحد من المتنافسين يريد أن يسبق صاحبه إليه، وحقيقة المنافسة الرغبة التامة والمبادرة والمسابقة إلى الشيء النفيس.

فصل

ثم أخبر تعالى عنها أنها تكاثر في الأموال والأولاد؛ فيحبُّ كلُّ واحد أن يَكْثَر بني جنسه في ذلك، ويفرح بأن يرى نفسه أكثر من غيره مالًا وولدًا وأن يقال فيه ذلك، وهذا من أعظم ما يلهي النفوس عن اللَّه والدار الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ١ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾٢

  1. (١) كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ٢٦﴾ [المطففين: ٢٦].
  2. (٢) (ب): أكملت السورة حتى الآية الرابعة.
329

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي