ثم أخبر تعالى عنها أنها تفاخرٌ بيننا، يفاخر بعضُنا بعضًا بها، فيطلبها ليفخر بها على صاحبه، وهذا حال كل من طلب منها شيئًا للمفاخرة من مال أو جاه أو قوة أو علم أو زهد.
والمفاخرة نوعان: مذمومة ومحمودة.
فالمذمومة: مفاخرة أهل الدنيا بها.
والمحمودة: أن يطلب المفاخرة في الآخرة، فهذه من جنس المنافسة المأمور بها١، وهي أن الرجل ينفس على غيره بالشيء، أي: يغار أن يناله دونه، ويأنف من ذلك ويحمي أنفه له.
يُقال: نفِستُ عليه الشيءَ، أنفَسه نفاسة إذا ضننت به، ولم تحبّ أن يصير إليه دونك، والتنافس تفاعل من ذلك، كأن كل واحد من المتنافسين يريد أن يسبق صاحبه إليه، وحقيقة المنافسة الرغبة التامة والمبادرة والمسابقة إلى الشيء النفيس.
فصل
ثم أخبر تعالى عنها أنها تكاثر في الأموال والأولاد؛ فيحبُّ كلُّ واحد أن يَكْثَر بني جنسه في ذلك، ويفرح بأن يرى نفسه أكثر من غيره مالًا وولدًا وأن يقال فيه ذلك، وهذا من أعظم ما يلهي النفوس عن اللَّه والدار الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ١ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾٢
(١) كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ٢٦﴾[المطففين: ٢٦].
(٢) (ب): أكملت السورة حتى الآية الرابعة.
[التكاثر: ١ - ٢].
والتكاثر في كل شيء، فكل من ألهاه وشغله التكاثر بأمر من الأمور عن اللَّه والدار الآخرة، فهو داخل في حكم هذه الآية، فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال، ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم، فيجمعه تكاثرًا وتفاخرًا، وهذا أسوأ حالًا عند اللَّه ممن يكاثر بالمال والجاه فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا١، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها.
فصل
ثم أخبر سبحانه عن مصير الدنيا وحقيقتها وأنها بمنزلة غيث أعجب الكفار نباته.
والصحيح -إن شاء اللَّه- أن الكفار هم الكفار باللَّه، وذلك عرفُ القرآن حيث ذكروا بهذا النعت في كل موضع، ولو أراد الزّراع، لذكرهم باسمهم الذي يعرفون به، كما ذكرهم به في قوله تعالى ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾[الفتح: ٢٩]، وإنما خصّ الكفار بالإعجاب لأنهم أشد إعجابًا بالدنيا، فإنها دارهم التي لها يعملون ويكدحون، فهم أشد إعجابًا بزينتها وما فيها من المؤمنين.
ثم ذكر سبحانه عاقبة هذا النبات وهو اصفراره ويبسه، وهذا آخر الدنيا ومصيرها، ولو ملكها العبد من أولها إلى آخرها فنهايتها ذلك.
(١) في الأصل: "فإنه جعل أسباب الدنيا للآخرة". والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.