عدة الصابرين

[التكاثر: ١ - ٢].

والتكاثر في كل شيء، فكل من ألهاه وشغله التكاثر بأمر من الأمور عن اللَّه والدار الآخرة، فهو داخل في حكم هذه الآية، فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال، ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم، فيجمعه تكاثرًا وتفاخرًا، وهذا أسوأ حالًا عند اللَّه ممن يكاثر بالمال والجاه فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا١، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها.

فصل

ثم أخبر سبحانه عن مصير الدنيا وحقيقتها وأنها بمنزلة غيث أعجب الكفار نباته.

والصحيح -إن شاء اللَّه- أن الكفار هم الكفار باللَّه، وذلك عرفُ القرآن حيث ذكروا بهذا النعت في كل موضع، ولو أراد الزّراع، لذكرهم باسمهم الذي يعرفون به، كما ذكرهم به في قوله تعالى ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩]، وإنما خصّ الكفار بالإعجاب لأنهم أشد إعجابًا بالدنيا، فإنها دارهم التي لها يعملون ويكدحون، فهم أشد إعجابًا بزينتها وما فيها من المؤمنين.

ثم ذكر سبحانه عاقبة هذا النبات وهو اصفراره ويبسه، وهذا آخر الدنيا ومصيرها، ولو ملكها العبد من أولها إلى آخرها فنهايتها ذلك.

  1. (١) في الأصل: "فإنه جعل أسباب الدنيا للآخرة". والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
330

فإذا كانت الآخرة انقلبت الدنيا واستحالت إلى عذاب شديد، أو مغفرة من اللَّه وحسن ثوابه وجزائه، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: "الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ومطلب نجح لمن سالم. فيها مساجد أنبياء اللَّه، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه، فيها اكتسبوا الرحمة، وربحوا فيها العافية، فمن ذا يذمّها وقد آذنت بنيها، ونَعَتْ نفسها وأهلها، فتمثلت ببلائها، وشوّقت بسرورها إلى السرور تخويفًا وتحذيرًا وترغيبًا، فذمّها قوم غداة الندامة، وحمدها آخرون؛ ذكّرتهم فذكروا، ووعظتهم فاتعظوا. فيا أيها الذّامّ للدنيا المغترّ بتغريرها متى استذمّت إليك؟ بل متى غرّتك؟ أبمنازل آبائك في الثرى، أم بمضاجع أمهاتك في البلى؟! كم رأيت موروثًا، كم علّلتَ بكفَّيْك عليلًا، كم مَرّضتَ مريضًا بيديك تبتغي له الشفاء، وتستوصف له الأطباء؟ لم تنفعه شفاعتك، ولم تسعفه طلبتك، مُثّلت لك الدنيا غداة مصرعه ومصرعك"١. ثم التفت إلى المقابر فقال: "يا أهل الغربة ويا أهل التربة أما الدور فسُكنت، وأما الأموال فقُسمت، وأما الأزواج فنُكحت، فهذا خبر ما عندنا، فهاتوا خبر ما عندكم". ثم التفت إلينا فقال: "أمَا لو أُذن لهم لأخبروكم أن خير الزاد التقوى"٢.

فالدنيا في الحقيقة لا تذم وإنما يتوجه الذم إلى فعل العبد فيها، وهي قنطرة ومعبر إلى الجنة أو النار. ولكن لما غلبت عليها الشهوات والحظوظ والغفلة والإعراض عن اللَّه والدار الآخرة، فصار هذا هو

  1. (١) بعد هذه الكلمة في النسخ الثلاث الأخرى: "ومضجعه ومضجعك".
  2. (٢) رواه عنه: ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (١٤٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٢/ ٤٩٨ - ٤٥٠) و(٥٨/ ٦٩ - ٧٠).
331

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي