عدة الصابرين

تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥].

قال محمد بن على بن الحسين١: ﴿الْغُرْفَةَ﴾ الجنة. ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ قال: على الفقر في الدنيا٢.

وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "اللهم أحْيِني مسكينًا، وأمِتْني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة"، فقالت عائشة: ولم يا رسول اللَّه؟ قال: "إنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفًا، يا عائشة لا تردّي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة أحِبّي المساكين وقرّبيهم، فإن اللَّه يقرّبك يوم القبامة"٣.٤

قلت: لا حجة له في واحدة من الحجتين:

- أما الآية فإن الصبر فيها يتناول صبر الشاكر على طاعة اللَّه ﷿، وصبره عن معصيته، وصبر المبتلى بالفقر وغيره على بلائه. ولو كان المراد بها الصبر على الفقر وحده لم يدل على رجحانه على الشكر، فإن القرآن كما دل على جزاء الصابرين دل على جزاء الشاكرين أيضًا،

  1. (١) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر ثقة فاضل. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٨٧٩).
  2. (٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٣٤٧)، (٣/ ١٨٢)، (٨/ ٢٩٧). وذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (١٣/ ٥٦).
  3. (٣) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٥٢)، وقال: "حديث غريب".
    ورواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٢٦)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، دون قول عائشة ﵂ وما بعده. وبهذا القدر صححه الألباني في "الإرواء": (٣/ ٣٥٨).
  4. (٤) "التمام" (٢/ ٣٠٢) لأبي الحسين بن أبي يعلى الحنبلي.
339

كما قال تعالى: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ١٤٥﴾ [آل عمران: ١٤٥]، ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ١٤٤﴾ [آل عمران: ١٤٤].

بل قد أخبر أن رضاه في الشكر، ورضاه أكبر من جزائه بالجنات وما فيها، وإذا جزى اللَّه الصابرين الغرفة بما صبروا لم يدل ذلك على أنه لا يجزي الشاكرين الغرفة بما شكروا.

- وأما الحديث فلا حجة فيه لوجهين:

أحدهما: أنه لا يحتج بإسناده، فإنه من حديث ثابت بن محمد الكوفي عن الحارث بن النعمان، والحارث هذا لم يحتج به أصحاب الصحيح، بل قال فيه البخاري: منكر الحديث. ولذلك لم يصحح الترمذي حديثه هذا ولا حسَّنه ولا سكت عنه، بل حكم بغرابته١.

الجواب الثاني: أن الحديث لو صح لم يدل على مطلوبهم؛ فإن المسكنة التي يحبها اللَّه من عبده ليست مسكنة فقر المال، بل مسكنة القلب وهي انكساره وذله وخشوعه وتواضعه للَّه، وهذه المسكنة لا تُنافي الغِنى ولا يُشترط لها الفقر، فإن انكسار القلب للَّه ومسكنته لعظمته وجلاله وكبريائه وأسمائه وصفاته أفضل وأعلى من مسكنة عدم المال، كما أن صبر القادر الواجد عن معاصي اللَّه طوعًا واختيارًا وخشية من اللَّه ومحبة له أعلى من صبر الفقير العاجز.

وقد آتى اللَّه سبحانه جماعة من أنبيائه ورسله الغنى والملك، ولم يخرجهم ذلك عن المسكنة للَّه.

قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا الجريري عن أبي

  1. (١) كما سبق، وانظر قول البخاري في "الضعفاء الصغير" له ص (٢٨).
340

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي