السليل١ قال: "كان داود النبي ﷺ يدخل المسجد فينظر أغمص٢ حلقة من بني إسرائيل فيجلس إليهم، ثم يقول: مسكين بين ظهراني مساكين"٣، هذا مع ما آتاه اللَّه من الملك والغنى والبسطة زيادة على النبوة.
قال أبو الحسين: روى أبو برزة الأسلمي قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن فقراء المسلمين ليدخلون الجنة قبل أغنيائهم بمقدار أربعين خريفًا حتى يتمنى أغنياء المسلمين يوم القيامة أنهم كانوا فقراء في الدنيا"٤.٥
قلت: هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ من رواية جماعة من الصحابة منهم: أبو هريرة، وعبد اللَّه بن عمرو، وجابر بن عبد اللَّه، ويُروى عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك٦.
(١) هو ضُريب بن نُقير أبو السليل القيسي الجُريري، ثقة. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٤٥٩).
(٢) أي أحقر مكان. انظر: "لسان العرب" (٧/ ٦١).
(٣) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٣٧٩).
(٤) رواه الروياني في "مسنده" رقم (٧٧٠) من طريق نفيع بن الحارث عن أبي برزة به. والحديث أورده الديلمي في "الفردوس" رقم (٨٨٣). ونفيع هذا هو نفيع بن الحارث أبو داود الأعمى، متروك. انظر: "الكامل" لابن عدي (٧/ ٥٩ - ٦١).
(٥) "التمام" (٢/ ٣٠٣).
(٦) أما حديث أبي هريرة فقد سبق ص (٣٠٠). وحديث عبد اللَّه بن عمرو سبق ص (٣١١). وحديث جابر سبق ص (٣١١). =
ولا يدل ذلك على علو درجتهم إذا دخلوا الجنة قبل الأغنياء، بل إنما يدل على السبق لعدم ما يحاسبون عليه، ولا ريب أن وليّ الأمر العادل يتأخر دخوله للحساب وكذلك الغني الشاكر، ولا يلزم من تأخر دخولهما نزول درجتهما عن درجة الفقير كما تقدم١.
وأما تمني الأغنياء أنهم كانوا فقراء، فإن صحت هذه اللفظة٢ لم تدل على انحطاط درجتهم، كما يتمنى القاضي العادل في بعض المواطن يوم القيامة أنه لم يقضِ بين اثنين في تمرة لما يرى من شدة الأمر؛ فمنزلة الفقر والخمول منزلة السلامة، ومنزلة الغنى والولاية منزلة الغنيمة أو العطب.
قال أبو الحسين: وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قام في أصحابه فقال: "أي الناس خير؟ " فقال بعضهم: غني يعطي حق نفسه وماله، فقال النبي ﷺ: "نِعْمَ الرجل هذا وليس به، ولكن خير الناس
= وحديث أنس سبق ص (٣٤٢). أما حديث أبي سعيد الخدري، فرواه أبو داود في "سننه" رقم (٣٦٦٦)، بلفظ: "أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذاك خمس مائة سنة". وفيه قصة. ورواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٥١)، وقال: "حديث حسن غريب من هذا الوجه"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٢٣)، ولفظ الترمذي: "فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمس مائة سنة". ولفظ ابن ماجه: "إن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بمقدار خمس مائة سنة".
(١) ص (٣٠٠، ٣٠١).
(٢) وهي التي جاءت في حديث أبي برزة السابق، وسبق بيان ضعف الحديث.