عدة الصابرين

عن عبد اللَّه بن حُبشي أن النبي ﷺ سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان لا شك فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحجة مبرورة" قيل: فأي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القيام" قيل: فأي الصدقة أفضل١؟ قال: "جهد من مقل" قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: "من هجر ما حوم اللَّه عليه" قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: "من أهريق دمه وعقر جواده"٢.

وهذه الأحاديث كلها تدل على أن صدقة جهد المقل أفضل من صدقة كثير المال ببعض ماله الذي لا يتبين أثر نقصانه عليه وإن كان كثيرًا؟ لأن الأعمال عند اللَّه تتفاضل بتفاضل ما في القلوب لا بكثرتها وصورها، بل بقوة الداعي وصدق الفاعل وإخلاصه وإيثار اللَّه على نفسه.

فأين صدقة من آثر اللَّه على نفسه برغيف هو قوته إلى صدقة من أخرج مائة ألف درهم من بعض ماله غيضًا من فيض؟! فرغيف هذا ودرهمه في الميزان أثقل من مائة ألف هذا، واللَّه المستعان.

فصل

واحتجوا بما رواه ابن عدي من حديث سليمان بن عبد الرحمن حدثنا خالد بن يزيد عن أبيه عن عطاء سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اللهم توفني فقيرًا، ولا توفني غنيًّا"٣.

  1. (١) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
  2. (٢) "سنن النسائي" رقم (٢٥٢٦).
    ورواه أبو داود في "سننه" (١٤٤٩).
    وقوى إسناده ابن حجر في "الإصابة" (٤/ ٥٢).
  3. (٣) "الكامل" (٣/ ١٢).
345

وهذا الحديث لا يصح، فإن خالد بن يزيد هذا هو خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الدمشقي، أجمعوا على ضعفه وعدم الاحتجاج بحديثه، قال أحمد: ليس بشيء. وقال ابن معين: واه. ونسبه يحيى إلى الكذب، وقد تقدم الكلام فيه١.

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة٢، فقال: قد تنازع كثير من المتأخرين في الغني الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل، فرجّح هذا طائفة من العلماء والعباد، ورجح هذا طائفة من العلماء والعباد، وحُكي في ذلك عن الإمام أحمد روايتان.

وأما الصحابة والتابعون فلم ينقل عنهم تفضيل أحد الصِّنفين على الآخر.

وقد قالت طائفة ثالثة: ليس لأحدهما على الآخر فضيلة إلا بالتقوى، فأيهما كان أعظم إيمانًا وتقوى كان أفضل، فإن استويا في ذلك استويا في الفضيلة.

قال: وهذا أصحّ الأقوال؛ لأن نصوص الكتاب والسنة إنما تُفضِّل بالإيمان والتقوى، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥].

وقد كان في الأنبياء والسابقين الأولين من الأغنياء من هو أفضل من أكثر الفقراء، وكان فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر

  1. (١) ص (٣٠٧، ٣٠٨).
  2. (٢) وانظر كلام شيخ الإسلام في هذه المسألة في "مجموع الفتاوى" (١١/ ٢١ - ٢٢، ١٢٢ - ١٣٢، ١٩٥ - ١٩٦).
346

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي