عدة الصابرين

وهذا الحديث لا يصح، فإن خالد بن يزيد هذا هو خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الدمشقي، أجمعوا على ضعفه وعدم الاحتجاج بحديثه، قال أحمد: ليس بشيء. وقال ابن معين: واه. ونسبه يحيى إلى الكذب، وقد تقدم الكلام فيه١.

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة٢، فقال: قد تنازع كثير من المتأخرين في الغني الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل، فرجّح هذا طائفة من العلماء والعباد، ورجح هذا طائفة من العلماء والعباد، وحُكي في ذلك عن الإمام أحمد روايتان.

وأما الصحابة والتابعون فلم ينقل عنهم تفضيل أحد الصِّنفين على الآخر.

وقد قالت طائفة ثالثة: ليس لأحدهما على الآخر فضيلة إلا بالتقوى، فأيهما كان أعظم إيمانًا وتقوى كان أفضل، فإن استويا في ذلك استويا في الفضيلة.

قال: وهذا أصحّ الأقوال؛ لأن نصوص الكتاب والسنة إنما تُفضِّل بالإيمان والتقوى، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥].

وقد كان في الأنبياء والسابقين الأولين من الأغنياء من هو أفضل من أكثر الفقراء، وكان فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر

  1. (١) ص (٣٠٧، ٣٠٨).
  2. (٢) وانظر كلام شيخ الإسلام في هذه المسألة في "مجموع الفتاوى" (١١/ ٢١ - ٢٢، ١٢٢ - ١٣٢، ١٩٥ - ١٩٦).
346

الأغنياء، والكاملون يقومون بالمقامين فيقومون بالشكر والصبر على التمام كحال نبينا ﷺ، وحال أبي بكر وعمر ﵄.

ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس أنفع والغنى لآخرين أنفع، كما تكون الصحة لبعضهم أنفع والمرض لبعضهم أنفع، كما في الحديث الذي رواه البغويُّ وغيره عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎: "إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك، إني أدبّر عبادي، إني خبير بصير"١.

وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء"٢.

وفي الحديث الآخر لما علّم الفقراء الذكر عقب الصلوات سمع بذلك الأغنياء فقالوا مثل ما قالوا، فذكروا ذلك للنبى ﷺ فقال: " ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [لحديد: ٢١] "٣.

  1. (١) "شرح السنة" للبغوي (٥/ ٢١ - ٢٣).
    ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الأولياء" رقم (١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣١٨)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" رقم (٢٣١)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" رقم (٢٧). وضعفه.
    وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم ١٧٧٥.
  2. (٢) سبق تخريجه ص (٣٠٠، ٣٤٤).
  3. (٣) أخرجه مسلم وقد سبق ص (٣٠١).
347

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي