عدة الصابرين

الأغنياء، والكاملون يقومون بالمقامين فيقومون بالشكر والصبر على التمام كحال نبينا ﷺ، وحال أبي بكر وعمر ﵄.

ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس أنفع والغنى لآخرين أنفع، كما تكون الصحة لبعضهم أنفع والمرض لبعضهم أنفع، كما في الحديث الذي رواه البغويُّ وغيره عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎: "إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك، إني أدبّر عبادي، إني خبير بصير"١.

وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء"٢.

وفي الحديث الآخر لما علّم الفقراء الذكر عقب الصلوات سمع بذلك الأغنياء فقالوا مثل ما قالوا، فذكروا ذلك للنبى ﷺ فقال: " ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [لحديد: ٢١] "٣.

  1. (١) "شرح السنة" للبغوي (٥/ ٢١ - ٢٣).
    ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الأولياء" رقم (١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣١٨)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" رقم (٢٣١)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" رقم (٢٧). وضعفه.
    وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم ١٧٧٥.
  2. (٢) سبق تخريجه ص (٣٠٠، ٣٤٤).
  3. (٣) أخرجه مسلم وقد سبق ص (٣٠١).
347

فالفقراء يتقدمون في دخول الجنة لخفّة الحساب عليهم، والأغنياء يؤخرون لأجل الحساب، ثم إذا حوسب أحدهم فإن كانت حسناته أعظم من حسنات الفقراء كانت درجته في الجنة فوقه، وإن تأخر في الدخول.

كما أن السبعين ألفًا الذين١ يدخلون الجنة بغير حساب -ومنهم عكاشة بن محصن٢ - قد يدخل الجنة بحساب من يكون أفضل من أحدهم في الدرجات، لكن أولئك استراحوا من تعب الحساب.

وهذا في الفقراء المذكورين٣ في الكتاب والسنة وهو ضدّ الغنى الذي يبيح أخذ الزكاة أو الذي لا يوجب الزكاة.

ثم قد صار في اصطلاح كثير من الناس: الفقر عبارة عن الزهد والعبادة والأخلاق. ويسمون من اتصف بذلك فقيرًا وإن كان ذا مال، [ومن لم يتصف بذلك قالوا: ليس بفقير وإن لم يكن له مال،]٤ وقد يسمى هذا المعنى تصوفًا.

ومن الناس من يفرق بين مسمى الفقير والصوفي، ثم من هؤلاء من يجعل مسمى الفقير أفضل، ومنهم من يجعل مسمى الصوفي أفضل.

والتحقيق في هذا الباب: أنه لا ينظر إلى الألفاظ المحدثة بل

  1. (١) ساقطة من الاْصل، واستدركتها من النسخ الأخرى.
  2. (٢) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٥٨١١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢١٦) من حديث أبي هريرة.
  3. (٣) كذا في الأصول، وفي بعض المطبوعات: "في الفقر المذكور. . " وهو أوجه للسياق.
  4. (٤) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الأخرى.
348

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي