عدة الصابرين

وتبيّن معنى الذي بدا لهم والذي كانوا يخفونه. والحامل لهم على قولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ﴾، فالقوم كانوا يعلمون في الدنيا أنهم على باطل وأن الرسل صدقوهم فيما بلّغوهم عن اللَّه، وتيقنوا ذلك وتحققوه ولكنهم أخفوه ولم يظهروه بينهم بل تواصوا بكتمانه.

فلم يكن الحامل لهم على تمنّي الرجوع والإيمان معرفة ما لم يكونوا يعرفونه من صدق الرسل، فإنهم كانوا يعلمون ذلك ويخفونه، فظهر لهم يوم القيامة ما كانوا ينطوون عليه من علمهم أنهم على الباطل وأن الرسل على الحق، فعاينوا ذلك عيانًا بعد أن كانوا يكتمونه ويخفونه، فلو ردّوا لما سمحت نفوسهم بالإيمان، ولعادوا إلى الكفر والتكذيب، فإنهم لم يتمنوا الأيمان لعلمهم يومئذ أنه هو الحق وأن الشرك باطل، وإنما تمنوه لما عاينوا العذاب الذي لا طاقة لهم باحتماله.

وهذا كمن كان يُخفي محبة١ شخص ومعاشرته وهو يعلم أن حبه باطل وأن الرشد في عدوله عنه، فقيل له: إن اطلع عليك قيّمه٢ عاقبك. وهو يعلم ذلك ويكابر، ويقول: بل محبته ومعاشرته هي الصواب، فلما أخذه وليّه ليعاقبه على ذلك، وتيقن العقوبة تمنى أن يعفى من العقوبة، وأنه لا يجتمع به بعد ذلك، وفي قلبه من محبته والحرص على معاشرته ما يحمله على المعاودة بعد معاينة العقوبة بل بعد أن مسّته وأنهكته، فظهر له عند العقوبة ما كان يخفي من معرفته بخطئه وصواب من نهاه عنه ولو ردّ لعاد لما نُهي عنه.

  1. (١) مطابقة المثل تقضي أن يقال: كان يحبّ شخصًا ويعاشره. والذي كان يخفيه هو معرفته بخطئه لا حبَّ الشخص. (ص).
  2. (٢) في النسخ الثلاث الأخرى: "وليه".
358

وتأمل مطابقة الإضراب لهذا المعنى وهو نفي قولهم: أنا لو رُددنا لآمنا وصدقنا، لأنه ظهر لنا الآن أن١ ما قالت الرسل هو الحق، أي: ليس كذلك بل كنتم تعلمون ذلك وتعرفونه وكنتم تخفونه، فلم يظهر لكم شيء لم تكونوا عالمين به لِتُعذَروا، بل ظهر لكم ما كان معلومًا لكم وكنتم تواصون بإخفائه وكتمانه واللَّه أعلم.

ولا تستطل هذا الفصل المعترض في أثناء هذه المسألة فلعله أهم منها وأنفع، وباللَّه التوفيق.

فلنرجع إلى تمام الكلام فيها وقوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ٥﴾ [التكاثر: ٥] جوابه محذوف دلّ عليه ما تقدم، أي: لما ألهاكم التكاثر، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لما فقد منكم علم اليقين، وهو العلم الذي يصل بصاحبه إلى حدّ الضروريات التي لا يُشك ولا يمارى في صحتها وثبوتها.

ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه عن موجبه وترتب أثره عليه، فإن مجرّد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه، فإذا صار له علم يقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد، فإذا صار عين يقين كجملة المشاهدات كان تخلف موجبه عنه من أندر شيء، وفي هذا المعنى قال حسان في أهل بدر:

سِرْنا وساروا إلى بَدْرٍ لِحَينهم٢لو يعلمونَ يقين العِلْمِ ما ساروا٣
  1. (١) ليست في الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
  2. (٢) في (ب): "لحتفهم".
  3. (٣) انظره في ديوان حسان: (١/ ٤٧٦).
359

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي