عدة الصابرين

وفيه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول اللَّه ﷺ: "يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول اللَّه له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسخّرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتربع١، فكنتَ تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني". قال: هذا حديث صحيح٢.

وقد زعم طائفة من المفسرين: أن هذا الخطاب خاص بالكفار وهم المسؤولون عن النعيم، وذكروا ذلك عن الحسن ومقاتل٣، واختار الواحدي ذلك، واحتج بحديث أبي بكر لما نزلت هذه الآية: قال يا رسول اللَّه: "أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيّهان من خبز شعير ولحم وبسر قد ذَنَّب٤ وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نُسأل عنه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: "إنما ذلك للكافر"، ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ١﴾ [سبأ: ١٧]٥.

قال الواحدي: والظاهر يشهد لهذا القول؛ لأن السورة كلها خطاب

  1. = الحسن قوله، ولم يسندوه. . . ".
  2. (١) قال في "النهاية" (٢/ ١٨٦): "في حديث القيامة: "ألم أذرك تربع وترأس" أي تأخذ ربع الغنيمة. . . يريد ألم أجعلك رئيسًا مطاعًا؛ لأن الملك كان يأخذ الربع من الغنيمة في الجاهلية دون أصحابه" اهـ.
  3. (٢) "جامع الترمذي" رقم (٢٤٢٨)، وفيه قال: "صحيح غريب".
  4. (٣) انظر قول الحسن ومقاتل في: "الوسيط للواحدي" (٤/ ٥٤٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٢٠)، و"تفسير القرطبي" (٢٠/ ١٥).
  5. (٤) أي البسر الذي قد بدا فيه الإرطاب من قِبَل ذنبه. انظر: "لسان العرب" (١/ ٣٩٠).
  6. (٥) لم أقف عليه مسندًا. وعزاه القرطبي في "تفسيره" (٢٠/ ١٢٠) لأبي نصر القشيري.
364

للمشركين وتهديد لهم. والمعنى أيضًا يشهد لهذا وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم حيث أشركوا به وعبدوا غيره، فاستحقوا أن يسألوا عما أنعم به عليهم توبيخًا لهم، هل قاموا بالواجب فيه أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم.

قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن قال: لا يُسأل عن النعيم إلا أهل النار١.

قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة ولا في أدلة العقل ما يقتضي اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر القرآن وصريح السنة والاعتبار يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بإلهاء التكاثر له، فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك.

ويدل على ذلك قول النبي ﷺ عند قراءة هذه السورة: "يقول ابن آدم: مالي مالي٢، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت. . . " الحديث وهو في صحيح مسلم٣.

وقائل ذلك قد يكون مسلمًا وقد يكون كافرًا.

ويدل عليه الأحاديث التي تقدمت، وسؤال الصحابة للنبي ﷺ وفهمهم العموم حتى قالوا له: "وأيّ نعيم نُسأل عنه؟ وإنما هما الأسودان"٤.

  1. (١) لم أقف على نص كلامه هذا. وانظر معناه في "الوسيط" (٤/ ٥٤٩).
  2. (٢) سقطت من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث.
  3. (٣) وقد سبق ص (٣٥٦).
  4. (٤) وقد سبق تخريجه قريبًا.
365

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي