عدة الصابرين

للمشركين وتهديد لهم. والمعنى أيضًا يشهد لهذا وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم حيث أشركوا به وعبدوا غيره، فاستحقوا أن يسألوا عما أنعم به عليهم توبيخًا لهم، هل قاموا بالواجب فيه أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم.

قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن قال: لا يُسأل عن النعيم إلا أهل النار١.

قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة ولا في أدلة العقل ما يقتضي اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر القرآن وصريح السنة والاعتبار يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بإلهاء التكاثر له، فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك.

ويدل على ذلك قول النبي ﷺ عند قراءة هذه السورة: "يقول ابن آدم: مالي مالي٢، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت. . . " الحديث وهو في صحيح مسلم٣.

وقائل ذلك قد يكون مسلمًا وقد يكون كافرًا.

ويدل عليه الأحاديث التي تقدمت، وسؤال الصحابة للنبي ﷺ وفهمهم العموم حتى قالوا له: "وأيّ نعيم نُسأل عنه؟ وإنما هما الأسودان"٤.

  1. (١) لم أقف على نص كلامه هذا. وانظر معناه في "الوسيط" (٤/ ٥٤٩).
  2. (٢) سقطت من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث.
  3. (٣) وقد سبق ص (٣٥٦).
  4. (٤) وقد سبق تخريجه قريبًا.
365

فلو كان الخطاب مختصًّا بالكفار لبيّن لهم ذلك وقال: ما لكم ولها إنما هي للكفار.

فالصحابة فهموا التعميم، والأحاديث صريحة في التعميم، والذي أُنزل عليه القرآن أقرّهم على فهم العموم.

وأما حديث أبي بكر الذي احتج به أرباب هذا القول فحديث لا يصح.

والحديث الصحيح في تلك القصة يشهد ببطلانه ونحن نسوقه بلفظه، ففي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة قال: خرج رسول اللَّه ﷺ ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال: "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ " قالا: الجوع يا رسول اللَّه، قال: "وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قُومًا" فقاما معه فأتى رجلًا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته امرأته قالت: مرحبًا وأهلًا. فقال لها رسول اللَّه ﷺ: "وأين فلان؟ " قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه ثم قال: الحمد للَّه، ما أحد اليوم أكرم أضيافًا مني قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذا، وأخذ المُدية١، فقال له رسول اللَّه ﷺ: "إياك والحلوب"، فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده لَتُسْألُنّ عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوعُ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم"٢.

  1. (١) المُدية: السكين والشفرة. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٤/ ٣١٠).
  2. (٢) "صحيح مسلم" رقم (٢٠٣٨).
366

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي