ومعلوم أن المدة التي بينه وبين إخوانه من فقراء المهاجرين لا تطول، وأنها أطول مدة بين دخوله وبين دخول آخر من يدخل الجنة.
وقد روى الإمام أحمد في "مسنده" من حديث عبد اللَّه بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "هل تدرون أول من يدخل الجنة؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، يموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، تقول الملائكة: ربنا نحن ملائكتك وخزنتك وسكان سماواتك لا تدخلهم الجنة قبلنا، فيقول: عبادي لا يشركون بي شيئًا يتقى بهم المكاره يموت أحدهم وحاجته في صدره لم يستطع لها قضاء، فعند ذلك تدخل عليهم الملائكة من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار"١.
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد حدثنا دويد٢ عن سلم بن بشير عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: "التقى مؤمنان على باب الجنة: مؤمن غني ومؤمن فقير كانا في الدنيا، فأُدخل الفقير الجنة وحُبس الغني ما شاء اللَّه أن يُحبس ثم أُدخل الجنة، فلقيه الفقير فيقول: أي أخي ما حبسك؟ واللَّه لقد احتبست حتى خفتُ عليك. فيقول: أي أخي، إني حُبست بعدك محبسًا فظيعًا كريهًا ما وصلت إليك حتى سال مني من العرق ما لو ورده ألف بعير كلها آكلة حمض٣
= الذهبي.
(١) "المسند" (٢/ ١٦٨). وصححه الحاكم في المستدرك (٢/ ٧١ - ٧٢)، ووافقه الذهبي.
(٢) في الأصل: "دريد"، والتصويب من النسخ الأخرى ومن "المسند".
(٣) الحمض هو كل نبت في طعمه حموضة، وهو للإبل كالفاكهة للإنسان. انظر: =
لصدرت عنه رواء"١.
وقال الطبراني في "معجمه": حدثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمي وعلي بن سعيد الرازي حدثنا علي بن بهرام العطار حدثنا عبد الملك بن أبي كريمة عن الثوري عن محمد بن زيد عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وذلك خمسمائة عام"٢ فقال رجل: أمنهم أنا يا رسول اللَّه؟ قال: "إن تغدّيت رجعت على عشاء، وإذا تعشيت يبيت معك غداء؟ " قال: نعم. قال: "لست منهم"، فقام رجل فقال: أمنهم أنا يا رسول اللَّه؟ قال: "هل سمعت ما قلنا لهذا؟ " قال: نعم، ولستُ كذلك. قال: "هل تجد ثوبًا سترًا٣ سوى ما عليك؟ " قال: نعم. قال: "فلست منهم"، فقام آخر فقال: أمنهم أنا يا رسول اللَّه؟ قال: "هل سمعت ما قلنا لهذين قبلك؟ " قال: نعم. قال: "هل تجد قرضًا كلما
= "النهاية" لابن الأثير (١/ ٤٤١).
(١) "مسند أحمد" (١/ ٣٠٤). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٦٣ - ٢٦٤): "رواه أحمد وفيه (دويد) غير منسوب، فإن كان هو الذي روى عنه سفيان فقد ذكره العجلي في كتاب "الثقات"، وإن كان غيره لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح غير سلم بن بشير وهو ثقة". وقال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٤/ ١٩٣): "وفيه دريد [هكذا في المطبوع والصواب: دويد] غير منسوب يحتاج إلى معرفته، قال أحمد: حديثه مثله".
(٢) ساقطة من الأصل، وكتب في حاشيته: لعله: "عام". وأثبتها من (م) و(ن). وفي (ب): "سنة".
(٣) هكذا في الأصل و(م). وفي (ن): "يسيرًا". وفي (ب): "ستيرًا".