عدة الصابرين

غطّينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطّينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه شيئًا من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها"١.

وفي "الصحيحين" عن قيس بن أبي٢ حازم قال: دخلنا على خباب نعوده وقد اكتوى سبع كيّات. فقال: "إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا" وذكر الحديث٣.

وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر قال: "ما يصيب عبد٤ من الدنيا شيئًا إلا انتقص من درجاته عند اللَّه وإن كان عليه كريمًا"٥.

وفي "صحيح البخاري" عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: أتي عبد الرحمن بطعام، وكان صائمًا. فقال: "قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، وكفن في بردة؛ إن غطّي رأسه بدت رجلاه، وإن غطّي رجلاه

  1. (١) "صحيح البخاري" رقم (١٢٧٦)، و"صحيح مسلم" رقم (٩٤٠).
    ويهدبها: أي يجنبها. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٥/ ٢٥٠)
  2. (٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من (م) و(ن)، ومن مصادر التخريج.
  3. (٣) "صحيح البخاري" رقم (٥٦٧٢)، و"صحيح مسلم" رقم (٢٦٨١). وليس في مسلم محلّ الشاهد.
  4. (٤) في (م) و(ن): "ما من عبد يصيب". وفي (ب): "ما أوتي عبد".
  5. (٥) لم أقف عليه فيما طبع من سنن سعيد.
    وقد رواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٦٧٦) من طريق سعيد به.
    والأثر رواه أيضًا: ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٤٦٢٨)، وهناد في "الزهد" رقم (٥٥٧)، وابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا". رقم (٣١١)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٣٠٦).
404

بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني فلم يوجد له كفن إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط -أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا- وقد خشيت أن تكون عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا. ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام"١.

قال أبو سعيد ابن الأعرابي٢: وليس عبد الرحمن بن عوف وخباب قالا ذلك دون غيرهما، لقد قاله الأكابر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ، وكرهوا ما فتح اللَّه عليهم من الدنيا، وأشفقوا منه، وعلموا أن ما اختاره اللَّه لنبيه كان أفضل، وأن ما أخّروا له كان أنقص، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبو عبيدة، وعمار بن ياسر، وسلمان، وعبد اللَّه بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وأبو هاشم بن عتبة وجماعة لم نذكرهم للاختصار.

فأما أبو بكر فحدثنا ابن أبي الدنيا حدثنا عبد الرحمن بن زبان٣ الطائي حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا عبد الواحد بن زيد حدثني أسلم٤ عن مرة عن زيد بن أرقم قال: كنا مع أبي بكر الصديق ﵁ فدعا بشراب فأتي بماء وعسل، فلما أدناه من فيه بكى حتى أبكى أصحابه، فسكتوا وما سكت، ثم عاد فبكى حتى ظنوا أنهم لم يقدروا على مسألته، قال: ثم مسح عينيه، فقالوا: يا خليفة رسول اللَّه ما

  1. (١) "صحيح البخاري" رقم (١٢٧٤)، (١٢٧٥).
  2. (٢) لابن الأعرابي كتاب سماه: "تشريف الفقير على الغني". انظر: "لسان الميزان" (٥/ ٢٨). فلعل كلامه هذا منه، واللَّه أعلم.
  3. (٣) في الأصل وسائر النسخ الثلاث: "أبان". والتصويب من "ذم الدنيا" و"تاريخ بغداد".
  4. (٤) في الأصل وسائر النسخ الثلاث: "سلمان". والتصويب من مصادر التخريج.
405

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي