بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني فلم يوجد له كفن إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط -أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا- وقد خشيت أن تكون عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا. ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام"١.
قال أبو سعيد ابن الأعرابي٢: وليس عبد الرحمن بن عوف وخباب قالا ذلك دون غيرهما، لقد قاله الأكابر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ، وكرهوا ما فتح اللَّه عليهم من الدنيا، وأشفقوا منه، وعلموا أن ما اختاره اللَّه لنبيه كان أفضل، وأن ما أخّروا له كان أنقص، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبو عبيدة، وعمار بن ياسر، وسلمان، وعبد اللَّه بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وأبو هاشم بن عتبة وجماعة لم نذكرهم للاختصار.
فأما أبو بكر فحدثنا ابن أبي الدنيا حدثنا عبد الرحمن بن زبان٣ الطائي حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا عبد الواحد بن زيد حدثني أسلم٤ عن مرة عن زيد بن أرقم قال: كنا مع أبي بكر الصديق ﵁ فدعا بشراب فأتي بماء وعسل، فلما أدناه من فيه بكى حتى أبكى أصحابه، فسكتوا وما سكت، ثم عاد فبكى حتى ظنوا أنهم لم يقدروا على مسألته، قال: ثم مسح عينيه، فقالوا: يا خليفة رسول اللَّه ما
(١) "صحيح البخاري" رقم (١٢٧٤)، (١٢٧٥).
(٢) لابن الأعرابي كتاب سماه: "تشريف الفقير على الغني". انظر: "لسان الميزان" (٥/ ٢٨). فلعل كلامه هذا منه، واللَّه أعلم.
(٣) في الأصل وسائر النسخ الثلاث: "أبان". والتصويب من "ذم الدنيا" و"تاريخ بغداد".
(٤) في الأصل وسائر النسخ الثلاث: "سلمان". والتصويب من مصادر التخريج.
أبكاك؟ فقال: كنت مع رسول اللَّه ﷺ فرأيته يدفع عن نفسه شيئًا ولم أرَ معه أحدًا، فقلت: يا رسول اللَّه ما الذي تدفع عن نفسك؟ قال: "هذه الدنيا مثّلت لي، فقلت لها١: إليك عني، ثم رجعت فقالت: إنك إن أفلتّ مني فلن يفلت مني مَنْ بعدك"٢.
وذكر ليث بن سعد عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبيه: أن أبا بكر قال في مرضه الذي مات فيه: "إني وليت أمركم ولست بخيركم، وكلكم وَرِمَ أنفه٣ من ذلك أن يكون هذا الأمر له، وذلك لما رأيت الدنيا قد أقبلت وأقبلت، ولما تقبل حتى يتخذوا نضائد الحرير وستور الديباج، وحتى يألم أحدُكم من الاضطجاع على الصوف كما يألم من الاضطجاع على الحسك والسعدان٤، ثم أنتم أول ضال بالناس تصفقون بهم يمينًا وشمالًا، ما هذا الطريق؟ أخطأت إنما هو البحر أو الفجر. واللَّه لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حدٍّ، خير له من أن يخوض غمرات الدنيا"٥.
(١) في الأصل: إليها، والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "ذم الدنيا" رقم (١١)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٠٩)، وابن أبي عاصم في "الزهد" رقم (١٨٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٥١٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٣٠ - ٣١)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٢٦٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٠/ ٣٢٩). وضعفه جدًّا الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٤٨٧٨).
(٣) أي: امتلأ وانتفخ من ذلك غضبًا، وخصّ الأنف بالذكر لأنه موضع الأنفة والكبر. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٥/ ١٧٧).
(٤) الحَسَك جمع حَسَكة، وهي: شوكة صلبة معروفة. والسّعْدان: نبتٌ ذو شوك. انظر: "النهاية" لابن الأثير (١/ ٣٨٦) و(٢/ ٣٦٧).
(٥) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٠/ ٤١٧ - ٤١٨)، وفيه: "إني وليت =