عدة الصابرين

أبكاك؟ فقال: كنت مع رسول اللَّه ﷺ فرأيته يدفع عن نفسه شيئًا ولم أرَ معه أحدًا، فقلت: يا رسول اللَّه ما الذي تدفع عن نفسك؟ قال: "هذه الدنيا مثّلت لي، فقلت لها١: إليك عني، ثم رجعت فقالت: إنك إن أفلتّ مني فلن يفلت مني مَنْ بعدك"٢.

وذكر ليث بن سعد عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبيه: أن أبا بكر قال في مرضه الذي مات فيه: "إني وليت أمركم ولست بخيركم، وكلكم وَرِمَ أنفه٣ من ذلك أن يكون هذا الأمر له، وذلك لما رأيت الدنيا قد أقبلت وأقبلت، ولما تقبل حتى يتخذوا نضائد الحرير وستور الديباج، وحتى يألم أحدُكم من الاضطجاع على الصوف كما يألم من الاضطجاع على الحسك والسعدان٤، ثم أنتم أول ضال بالناس تصفقون بهم يمينًا وشمالًا، ما هذا الطريق؟ أخطأت إنما هو البحر أو الفجر. واللَّه لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حدٍّ، خير له من أن يخوض غمرات الدنيا"٥.

  1. (١) في الأصل: إليها، والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
  2. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "ذم الدنيا" رقم (١١)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٠٩)، وابن أبي عاصم في "الزهد" رقم (١٨٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٥١٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٣٠ - ٣١)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٢٦٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٠/ ٣٢٩).
    وضعفه جدًّا الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٤٨٧٨).
  3. (٣) أي: امتلأ وانتفخ من ذلك غضبًا، وخصّ الأنف بالذكر لأنه موضع الأنفة والكبر. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٥/ ١٧٧).
  4. (٤) الحَسَك جمع حَسَكة، وهي: شوكة صلبة معروفة. والسّعْدان: نبتٌ ذو شوك. انظر: "النهاية" لابن الأثير (١/ ٣٨٦) و(٢/ ٣٦٧).
  5. (٥) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٠/ ٤١٧ - ٤١٨)، وفيه: "إني وليت =
406

وذكر محمد بن عطاء بن خباب قال: كنت جالسًا مع أبي بكر فرأى طائرًا فقال: "طوبى لك يا طائر تأكل من هذه الشجر، ثم تبعر، ثم لا تكون شيئًا، وليس عليك حساب، وددت أني مكانك" فقلت له: أتقول هذا وأنت صديق رسول اللَّه ﷺ؟!١.

وأما عمر فإنه لما اُتي بكنوز كسرى بكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فواللَّه إن هذا ليوم شكر ويوم سرور ويوم فرح، فقال عمر: "إن هذا لم يعطه قوم٢ إلا أُلقي بينهم العداوة والبغضاء"٣.

ودخل عليه أبو سنان الدؤلي وعنده نفر من المهاجرين، فأرسل عمر إلى سَفَط٤ أتي به من قلعة بالعراق، وكان فيه خاتم، فأخذه

  1. = أمركم خيركم في نفسي. . . " الخ.
    وروى نحوه: الطبراني في "الكبير" رقم (٤٣)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٣٤)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٠/ ٤٢١).
  2. (١) لم أقف عليه.
    وروى ابن المبارك في "الزهد" رقم (٢٤٠)، وأحمد في "الزهد" رقم (٥٨١)، وابن أبي الدنيا في كتاب "المتمنين" رقم (٩٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٧٨٦). عن الحسن عن أبي بكر قريبًا منه.
    وروى ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٠/ ٣٣٠) عن الضحاك عن أبي بكر قريبًا منه أيضًا.
  3. (٢) في الأصل: "قومًا". والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
  4. (٣) رواه معمر في "الجامع" رقم (٢٠٠٣٦)، وابن المبارك في "الزهد" رقم (٧٦٨)، وابن أبي شيبة: (١٣/ ٢٦٤) وأبو داود في "الزهد" (٨٦)، وعبد اللَّه بن أحمد في "زوائد الزهد" رقم (٥٩٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ٣٥٨).
  5. (٤) السّفط: الذي يعبئ فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء. انظر: "لسان =
407

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي