بعض ولده فأدخله في فيه، فانتزعه عمر منه ثم بكى، فقال له مَن عنده: لم تبكي وقد فتح اللَّه لك وأظهرك وأقر عينك؟ فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى اللَّه بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة" وأنا مشفق من ذلك١.
قال أبو سعيد: وجدت في كتاب بخط يدي عن أبي داود قال: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد حدثنا يونس عن الحسن؟ أن عمر بن الخطاب أُتي بفروة كسرى بين يديه، وفي القوم سراقة بن مالك، فألقى إليه سواريْ كسرى، فجعلهما في يديه فبلغا منكبيه، فلما رآهما في يدي سراقة قال: الحمد للَّه، سوارا كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك بن جعشم أعرابي من بني مدلج، ثم قال: "اللهم قد علمت أن رسولك قد كان يحب أن يصيب مالًا فينفقه في سبيلك وعلى عبادك، فزويت ذلك عنه نظرًا منك له وخيارًا، اللهم إني أعوذ بك أن يكون هذا مكرًا منك بعمر، ثم قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ٥٥ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ٥٦﴾[المؤمنون: ٥٥، ٥٦]٢.
= العرب" (٧/ ٣٥١).
(١) رواه أحمد في "المسند" (١/ ١٦)، والبزار في مسنده "البحر الزخار" رقم (٣١١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٢٢): "رواه أحمد وأبو يعلى في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه كلام"، وقال في (١٠/ ٢٣٦): "رواه أحمد والبزار وأبو يعلى في الكبير وإسناده حسن". وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٤٨٧١).
(٢) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ٣٥٨)، وفي "دلائل النبوة" (٦/ ٣٢٥)، من طريق أبي سعيد به.
والمقصود: أن سعة الدنيا وبسطها تعجيل من أجر الآخرة، وتضييق من سعتها.
قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري عن ابن أبي صُعير عن جابر بن عبد اللَّه قال: لما كان يوم أحد أشرف النبي ﷺ على الشهداء الذين قُتلوا يومئذ فقال: "إني شهيد على هؤلاء فزمِّلوهم بدمائهم"١.
قال معمر: وأخبرني من سمع الحسن يقول: قال النبي ﷺ: "هؤلاء قد مضوا وقد شهدت عليهم لم يأكلوا من أجورهم شيئًا، وإنكم تأكلون من أجوركم، وإني لا أدري ما تحدثون بعدي"٢.
وقال ابن المبارك: أخبرنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يقول: خرج رسول اللَّه ﷺ بأصحابه إلى بقيع الغرقد فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور، لو تعلمون ما نجّاكم اللَّه مما هو كائن بعدكم". ثم أقبل على أصحابه فقال: "هؤلاء خير منكم" فقالوا: يا رسول اللَّه إخواننا، أسلمنا كما أسلموا، وهاجرنا كما هاجروا، وجاهدنا كما جاهدوا، وأتوا على آجالهم فمضوا فيها وبقينا في آجالنا، فما يجعلهم خيرًا منا؟ فقال: "إن هؤلاء خرجوا من الدنيا ولم يأكلوا من أجورهم شيئًا، وخرجوا وأنا شهيد عليهم، وإنكم قد أكلتم من أجوركم ولا أدري ما تحدثون بعدي". قال: فلما سمعها القوم واللَّه عقلوها
(١) "المصنف" رقم (٦٦٣٣)، (٩٥٨٠). ورواه أحمد في "المسند" (٥/ ٤٣١). وصححه الألباني في "إرواء الغليل" برقم (٧١٤).
(٢) "مصنف عبد الرزاق" رقم (٦٦٣٤)، (٩٥٨١). وهذا سند ضعيف، لجهالة من سمع الحسن.