والمقصود: أن سعة الدنيا وبسطها تعجيل من أجر الآخرة، وتضييق من سعتها.
قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري عن ابن أبي صُعير عن جابر بن عبد اللَّه قال: لما كان يوم أحد أشرف النبي ﷺ على الشهداء الذين قُتلوا يومئذ فقال: "إني شهيد على هؤلاء فزمِّلوهم بدمائهم"١.
قال معمر: وأخبرني من سمع الحسن يقول: قال النبي ﷺ: "هؤلاء قد مضوا وقد شهدت عليهم لم يأكلوا من أجورهم شيئًا، وإنكم تأكلون من أجوركم، وإني لا أدري ما تحدثون بعدي"٢.
وقال ابن المبارك: أخبرنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يقول: خرج رسول اللَّه ﷺ بأصحابه إلى بقيع الغرقد فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور، لو تعلمون ما نجّاكم اللَّه مما هو كائن بعدكم". ثم أقبل على أصحابه فقال: "هؤلاء خير منكم" فقالوا: يا رسول اللَّه إخواننا، أسلمنا كما أسلموا، وهاجرنا كما هاجروا، وجاهدنا كما جاهدوا، وأتوا على آجالهم فمضوا فيها وبقينا في آجالنا، فما يجعلهم خيرًا منا؟ فقال: "إن هؤلاء خرجوا من الدنيا ولم يأكلوا من أجورهم شيئًا، وخرجوا وأنا شهيد عليهم، وإنكم قد أكلتم من أجوركم ولا أدري ما تحدثون بعدي". قال: فلما سمعها القوم واللَّه عقلوها
(١) "المصنف" رقم (٦٦٣٣)، (٩٥٨٠). ورواه أحمد في "المسند" (٥/ ٤٣١). وصححه الألباني في "إرواء الغليل" برقم (٧١٤).
(٢) "مصنف عبد الرزاق" رقم (٦٦٣٤)، (٩٥٨١). وهذا سند ضعيف، لجهالة من سمع الحسن.
وانتفعوا بها فقالوا: وإنا لمحاسبون بما أصبنا من الدنيا بعدهم، وإنه لمنتقص به من أجورنا، فأكلوا طيبًا، وأنفقوا قصدًا، وقدّموا فضلًا١.
وقال عبد اللَّه بن أحمد: قرأت على أبي هذا الحديث: حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قال: "ما أعطي رجل من الدنيا إلا نقص من درجته، وإنه من أهل الجنة"٢.
قالوا: وقد صرح سادات الأغنياء بأنهم ابتلوا بالضرّاء فصبروا، وابتلوا بالسرّاء فلم يصبروا، قال ذلك عبد الرحمن بن عوف وغيره٣.
وكان هذا مصداقًا لما رواه مصعب بن سعد٤ عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لأنا من فتنة السرّاء أخوف عليكم من فتنة الضرّاء، إنكم ابتليتم في فتنة الضرّاء فصبرتم، وإن الدنيا حلوة خَضِرة"٥.
(١) "الزهد" لابن المبارك رقم (٤٩٨). ورواه ابن عبد البر في "الاستذكار" (٥/ ١١١) من طريق ابن المبارك به. ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" رقم (٦٧٢٠) عن ابن جريج قال: حُدّثت أن النبي ﷺ وذكره نحوه.
(٢) لم أقف عليه في الزهد. وقد سبق تخريجه ص (٤٠٦).
(٣) وقد سبق تخريجه ص (١١٥).
(٤) جاء الاسم في الأصل: "مصعب بن عمير بن سعد". وهو خطأ. والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٥) رواه البزار في مسنده "البحر الزخار" رقم (١١٦٨)، وأبو يعلى في "مسنده" رقم (٧٨٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٩٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٣٠٨). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٦): "رواه أبو يعلى والبزار، وفيه رجل لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح". وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (٤٢٩٦).