عدة الصابرين

وانتفعوا بها فقالوا: وإنا لمحاسبون بما أصبنا من الدنيا بعدهم، وإنه لمنتقص به من أجورنا، فأكلوا طيبًا، وأنفقوا قصدًا، وقدّموا فضلًا١.

وقال عبد اللَّه بن أحمد: قرأت على أبي هذا الحديث: حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قال: "ما أعطي رجل من الدنيا إلا نقص من درجته، وإنه من أهل الجنة"٢.

قالوا: وقد صرح سادات الأغنياء بأنهم ابتلوا بالضرّاء فصبروا، وابتلوا بالسرّاء فلم يصبروا، قال ذلك عبد الرحمن بن عوف وغيره٣.

وكان هذا مصداقًا لما رواه مصعب بن سعد٤ عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لأنا من فتنة السرّاء أخوف عليكم من فتنة الضرّاء، إنكم ابتليتم في فتنة الضرّاء فصبرتم، وإن الدنيا حلوة خَضِرة"٥.

  1. (١) "الزهد" لابن المبارك رقم (٤٩٨).
    ورواه ابن عبد البر في "الاستذكار" (٥/ ١١١) من طريق ابن المبارك به.
    ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" رقم (٦٧٢٠) عن ابن جريج قال: حُدّثت أن النبي ﷺ وذكره نحوه.
  2. (٢) لم أقف عليه في الزهد. وقد سبق تخريجه ص (٤٠٦).
  3. (٣) وقد سبق تخريجه ص (١١٥).
  4. (٤) جاء الاسم في الأصل: "مصعب بن عمير بن سعد". وهو خطأ. والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
  5. (٥) رواه البزار في مسنده "البحر الزخار" رقم (١١٦٨)، وأبو يعلى في "مسنده" رقم (٧٨٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٩٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٣٠٨).
    قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٦): "رواه أبو يعلى والبزار، وفيه رجل لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح". وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (٤٢٩٦).
410

قالوا: وهاهنا قضيتان صادقتان بهما يتبين الفضل:

إحداهما: أن الأقلِّين هم الأكثرون يوم القيامة.

والثانية: أن الأكثرين هم الأقلون.

أما الأولى: فقد تقدم الدليل عليها بما فيه كفاية.

وأما الثانية: ففي "الصحيحين" من حديث أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول اللَّه ﷺ يمشي وحده ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد قال: فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني فقال: "من هذا؟ " قلت: أبو ذر جعلني اللَّه فداك. قال: "يا أبا ذر! تعالَ". فمشيت معه ساعة فقال: "إن الأكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه اللَّه خيرًا فنفخ فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرًا" وذكر الحديث١.

قالوا: ولو كان الغنى أفضل من الفقر لما حضّ اللَّه رسوله على الزهد في الدنيا والإعراض عنها، وذم الحرص عليها والرغبة فيها، بل كان ينبغي أن يحضّ عليها وعلى اكتسابها والاستكثار منها، كما حض على اكتساب الفضائل التي بها كمال العبد من العلم والعمل، فلما حضّ على الزهد فيها والتقلّل دلّ على أن الزاهدين فيها المتقلّلين منها أفضل الطائفتين.

وقد أخبر أنها لو ساوت عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء٢. وأنها أهون على اللَّه من السخلة الميتة على

  1. (١) "صحيح البخاري" رقم (٦٤٤٣)، و"صحيح مسلم" (٢/ ٦٨٧ - ٦٨٨) رقم (٩٤).
  2. (٢) سبق تخريجه ص (٣٢٩).
411

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي