أهلها١. وأن مثلها في الآخرة كمثل ما يعلق بأصبع من أدخل أصبعه في البحر٢. وأنها ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللَّه وما والاه وعالم أو متعلم٣. وأنها سجن المؤمن وجنة الكافر٤.
وأمر العبد أن يكون فيها كأنه غريب أو عابر سبيل، وأن يعُدّ نفسه من أهل القبور، وإذا أصبح فلا ينتظر المساء وإذا أمسى فلا ينتظر الصباح٥.
ونهى عن اتخاذ ما يرغِّب فيها، ولعن عبد الدينار وعبد الدرهم، ودعا عليه بالتعس والانتكاس وعدم إقالة العثرة بالانتقاش٦.
وأخبر أنها خضرة حلوة، أي: تأخذ بالعيون بخضرتها وبالقلوب بحلاوتها، وأمر باتقائها والحذر منها، كما يُتقى النساء ويُحذر منهن٧.
(١) سبق تخريجه ص (٣٣٠).
(٢) سبق تخريجه ص (٣٣٠).
(٣) سبق تخريجه ص (٣٣٠).
(٤) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) روى البخاري في "صحيحه" رقم (٦٤١٦) عن عبد اللَّه بن عمر قال: "أخذ رسول اللَّه ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء".
(٦) روى البخاري أيضًا في "صحيحه" رقم (٢٨٨٧) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة: إن أعطي رضي، وإن لم يُعطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش".
(٧) روى مسلم في "صحيحه" رقم (٢٧٤٢) عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "إن الدنيا حُلوة خضرة، وإن اللَّه مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".
وأخبر أن الحرص عليها وعلى الرياسة والشرف يفسد الدين، كإفساد الذئبين الضاريين إذا أُرسلا في زريبة غنم أو أشد إفسادًا١.
وأخبر أنه في الدنيا كراكب استظل تحت شجرة في يوم صائف، ثم راح وتركها٢.
وهذه في الحقيقة حال سكّان الدنيا كلهم، ولكن هو ﷺ شهد هذه الحال وعمي عنها بنو الدنيا.
ومرّ بهم وهم يعالجون خُصًّا لهم قد وهى فقال: "ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك"٣.
وأمر بستر على بابه فنزع، وقال: "إنه يذكرني الدنيا"٤.
وأعلم الناس أنه ليس لأحد منهم حق في سوى بيتٍ يسكنه، وثوب يواري عورته، وقوت يقيم صلبه٥.
(١) روى الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٧٦) من حديث كعب بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه". وقال: "حديث حسن صحيح".
(٢) سبق تخريجه ص (٣٢٩).
(٣) رواه أبو داود في "سننه" رقم (٥٢٣٦)، والترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٣٥)، وقال: "حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٦٠). كلهم من حديث عبد اللَّه بن عمرو. وتقدم التعريف بالخُصّ ص (٣٩٠).
(٤) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢١٠٧) من حديث عائشة أنه قال لها: "حوّلي هذا، فإني كما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا".