وأخبر أنه: "يؤتى يوم القيامة بأنعم الناس كان في الدنيا، فيقول ﷿: اصبغوه في النار صبغة. فيصبغونه صبغة، ثم يؤتى به فيقول: يا ابن آدم هل أصبت نعيمًا قطّ؟ هل رأيت قرّة عين قطّ؟ هل أصبت سرورًا قط؟ فيقول: لا وعزتك. ثم يقول: ردّوه إلى النار. ثم يُؤتى بأشد الناس كان بلاء في الدنيا وأجهده جهدًا، فيقول ﵎: اصبغوه في الجنة صبغة. فيُصبغ فيها، ثم يُؤتى به فيقول: يا ابن آدم هل رأيت ما تكره قطّ؟ فيقول: لا، وعزتك ما رأيت شيئًا قط أكرهه"١.
وفي حديث مناجاة موسى الذي رواه الإمام أحمد في كتاب "الزهد": حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل حدثنا عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه فذكره وفيه: "ولا تعجبكما زينته ولا ما مُتع به ولا تمدان إلى ذلك أعينكما، فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين، وإني لو شئت أن أزينكما بزينة يَعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت، ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، وقديمًا ما خرت لهم في ذلك، فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة، وإني لأجنبهم سكونها٢ وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة، وما ذاك لهوانهم على ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالمًا موفرًا لم تَكْلِمْه الدنيا ولم يطغه الهوى، واعلم أنه لم يتزيّن لي العباد بزينة هي أبلغ من الزهد في
= الذهبي.
(١) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٨٠٧)، من حديث أنس بن مالك نحوه.
(٢) في النسخ الثلاث الأخرى: "سلوتها". وهي محتملة.
الدنيا؛ فإنها زينة المتقين، عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك أوليائي حقًّا، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلّل لهم قلبك ولسانك"، وذكر الحديث١.
وقال أحمد: حدثنا غوث بن جابر قال: سمعت محمد بن داود عن أبيه عن وهب قال: "قال الحواريون: يا عيسى، من أولياء اللَّه الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون؟ " قال: "الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس٢ إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا منها ما يخشون أن يميتهم، وتركوا ما علموا أن سيتركهم، فصار استكثارهم منها استقلالًا، وذكرهم إياها فواتًا، وفرحهم بما أصابوا منها حزنًا، فما عارضهم من نائلها رفضوه، وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه، خَلِقت الدنيا عندهم فليسوا [يجددونها، وخربت بينهم فليسوا]٣ يعمّرونها، وماتت في صدورهم فليسوا يحيونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، رفضوها فكانوا فيها هم الفرحين، ونظروا إلى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة، يحبون اللَّه ويحبون ذكره، ويستضيئون بنوره ويضيئون به، لهم خبر عجيب،
(١) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٣٤٢). ورواه أيضًا: أحمد في "الزهد" رقم (٣٤١)، وابن أبي الدنيا في "التواضع والخمول" رقم (٩)، وفي "الأولياء" رقم (١١٥)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٠ - ١٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦١/ ٦٠).
(٢) في الأصل: "حين نظروا". والمثبت من النسخ الأخرى ومن مصادر التخريج.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.