الدنيا؛ فإنها زينة المتقين، عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك أوليائي حقًّا، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلّل لهم قلبك ولسانك"، وذكر الحديث١.
وقال أحمد: حدثنا غوث بن جابر قال: سمعت محمد بن داود عن أبيه عن وهب قال: "قال الحواريون: يا عيسى، من أولياء اللَّه الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون؟ " قال: "الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس٢ إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا منها ما يخشون أن يميتهم، وتركوا ما علموا أن سيتركهم، فصار استكثارهم منها استقلالًا، وذكرهم إياها فواتًا، وفرحهم بما أصابوا منها حزنًا، فما عارضهم من نائلها رفضوه، وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه، خَلِقت الدنيا عندهم فليسوا [يجددونها، وخربت بينهم فليسوا]٣ يعمّرونها، وماتت في صدورهم فليسوا يحيونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، رفضوها فكانوا فيها هم الفرحين، ونظروا إلى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة، يحبون اللَّه ويحبون ذكره، ويستضيئون بنوره ويضيئون به، لهم خبر عجيب،
(١) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٣٤٢). ورواه أيضًا: أحمد في "الزهد" رقم (٣٤١)، وابن أبي الدنيا في "التواضع والخمول" رقم (٩)، وفي "الأولياء" رقم (١١٥)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٠ - ١٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦١/ ٦٠).
(٢) في الأصل: "حين نظروا". والمثبت من النسخ الأخرى ومن مصادر التخريج.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
وعندهم الخبر العجيب، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وبهم علم الكتاب وبه علموا، ليسوا يرون نائلًا مع ما نالوا، ولا أمانًا دون ما يرجون، ولا خوفًا دون ما يحذرون"١.
وحدثنا روح حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: قيل لعيسى ابن مريم: يا رسول اللَّه، لو اتخذت حمارًا تركبه لحاجتك، قال: "أنا أكرم على اللَّه من أن يجعل لي شيئًا يشغلني به"٢.
وقال: "اجعلوا كنوزكم في السماء، فإن قلب المرء عند كنزه"٣.
وقال: "اتقوا فضول الدنيا، فإن فضول الدنيا عند اللَّه رجز"٤.
وقال: "يا بني إسرائيل اجعلوا بيوتكم كمنازل الأضياف، فما لكم
(١) "الزهد" رقم (٣٣٩). ورواه أيضًا: ابن أبي الدنيا في "الأولياء" رقم (١٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٦٦).
(٢) "الزهد" رقم (٣٠٩). ورواه أيضًا: ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٤٢٣٥)، وابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (١٣٠)، وهناد في "الزهد" رقم (٥٨٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤١٨).
(٣) رواه أحمد في "الزهد" رقم (٣١٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٥٦).
(٤) رواه ابن المبارك في "الزهد" رقم (٨٤٨)، وهناد في "الزهد" رقم (٥٨١)، وابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٢١٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٤٤ - ٤٤٥). ورواه ابن أبي الدنيا في "القناعة والعفاف" رقم (١٧٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٤٤)، بلفظ: "وإياكم وفضول الدنيا. . . ".