وقال يحيى بن معاذ الرازي: "الدنيا خمر الشيطان، من سكر منها فلا يفيق إلا في عسكر الموتى نادمًا١ بين الخاسرين"٢.
وأقل ما في حبها أنه يُلهي عن حب اللَّه وذكره، ومن ألهاه ماله عن ذكر اللَّه فهو من الخاسرين. وإذا لهى القلب عن ذكر اللَّه سكنه الشيطان وصرفه حيث أراد، ومن فقهه في الشرّ أنه يرضيه ببعض أعمال الخير ليريه أنه يعمل فيها الخير وقد تعبد لها قلبه، فأين يقع ما يفعله من البر مع تعبده لها وقد لعنه رسول اللَّه ﷺ ودعا عليه فقال: "لُعِنَ عبد الدينار والدرهم"٣؟!
وقال: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، إن أعطي رضي، وإن منع سخط"٤. وهذا تفسير منه ﷺ، وبيان لعبوديتها.
وقد عُرضت الدنيا على النبي ﷺ بحذافيرها، وتعرضت له فدفع في صدرها باليدين، وردّها على عقبيها.
ثم عرضت بعده على أصحابه وتعرضت لهم، فمنهم من سلك سبيله ودفعها عنه وهم القليل، ومنهم من استعرضها وقال: ما فيك؟
= الأولياء" (٢/ ٣٦٤) و(٦/ ٢٨٧).
(١) في الأصل: "نادمين". والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) لم أجده مسندا. وذكره عنه: ابن الجوزي في "صفوة الصفوة" (٤/ ٩٨)، والثعالبي في "ثمار القلوب" ص ٧٧.
(٣) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٧٥)، من حديث أبي هريرة ﵁، وقال: "حديث حسن غريب من هذا الوجه".
(٤) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٨٨٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
قالت: فيَّ الحلال والشبهة والمكروه والحرام، فقالوا: هاتِ حلالك ولا حاجة لنا فيما عداه فأخذوا حلالها.
ثم تعرضت لمن بعدهم فطلبوا حلالها وحده فقالت: قد ذهب به من قبلكم. فأخذوا مكروهها وشبهها.
ثم تعرضت لمن بعدهم فطلبوا حلالها فلم يجدوه، فطلبوا شُبَهَهَا ومكروهها، فقالت: قد أخذه من كان من قبلكم، قالوا: فهاتِ حرامك فأخذوه. فطلبه من بعدهم، فقالت: هو في أيدي الظلمة، قد استأثروا به عليكم، فتحيلوا على تحصيله منهم بالرغبة والرهبة، فلا يمد فاجر يده إلى شيء من الحرام إلا وجد أفجر منه وأقوى قد سبقه إليه.
هذا وكلهم ضيوف وما بأيديهم عارية، كما قال ابن مسعود: "ما أصبح أحد في الدنيا إلا ضيف وماله عارية، فالضيف مرتحل، والعارية مؤداة"١.
قالوا: وإنما كان حب الدنيا رأس الخطايا، ومفسدًا للدين من وجوه:
أحدها: أن حبها يقتضي تعظيمها، وهي حقيرة عند اللَّه، ومن أظهر٢ الذنوب تعظيم ما حقّر اللَّه.
وثانيها: أن اللَّه تعالى لعنها ومقتها وأبغضها إلا ما كان له فيها، ومن
(١) رواه أحمد في "الزهد" رقم (٩٠٦)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٤٥٥٧)، وابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" رقم (١٧٣)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٣٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٦٤٤).