عدة الصابرين

أحب ما لعنه اللَّه ومقته وأبغضه فقد تعرّض للفتنة ومقته وغضبه.

وثالثها: أنه إذا أحبّها صيّرها غايته وتوسل إليها بالأعمال التي جعلها اللَّه وسائل إليه وإلى الدار الآخرة، فعكس الأمر، وقلب الحكمة فانتكس قلبُه، وانعكس سيره إلى وراء.

فهاهنا أمران:

أحدهما: جعل الوسيلة غاية.

والثاني: التوسّل بأعمال الآخرة إلى الدنيا.

وهذا شرٌّ معكوس من كل وجه، وقلب منكوس غاية الانتكاس، وهذا هو الذي انطبق عليه١ قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ١٥ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٦﴾ [هود: ١٥، ١٦]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ١٨﴾ [الإسراء: ١٨]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ٢٠﴾ [الشورى: ٢٠].

فهذه ثلاث آيات يشبه بعضها بعضًا، وتدل على معنى واحد، وهو: أن من أراد بعمله الدنيا وزينتها دون اللَّه والدار الآخرة، فحظه ما أراد وهو نصيبه ليس له نصيب غيره، والأحاديث عن رسول اللَّه ﷺ مطابقة لذلك مفسرة له، كحديث أبي هريرة في الثلاثة الذين أول ما تسعّر بهم

  1. (١) بعد هذه الكلمة في النسخ الثلاث: "حذو القذة بالقذة".
428

النار: المغازي، والمتصدق، والقارئ، الذين أرادوا بذلك الدنيا. وهو في "صحيح مسلم"١.

وفي "سنن النسائي" عن أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه رجل غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: "لا شيء له"، فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول اللَّه ﷺ: "لا شيء له"، ثم قال: "إن اللَّه تعالى لا يقبل إلّا ما كان خالصًا وابتُغي به وجهه"٢.

فهذا قد بطل أجره وحبط عمله مع أنه قصد حصول الأجر؛ لما ضم إليه قصد الذكر بين الناس، فلم يخلص عمله للَّه فبطل كله.

وفي "مسند الإمام أحمد" عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه الرجل يريد الجهاد في سبيل اللَّه وهو يبتغي عرض الدنيا، فقال رسول اللَّه ﷺ: "لا أجر له" فأَعظَمَ الناسُ ذلك، وقالوا للرجل: عُد لرسول اللَّه ﷺ لعله لم يفهم، فعاد فقال: يا رسول اللَّه الرجل يريد الجهاد في سبيل اللَّه وهو يبتغي عرض الدنيا، فقال رسول اللَّه ﷺ: "لا أجر له" ثم أعاد الثالثة فقال رسول اللَّه ﷺ: "لا أجر له"٣.

  1. (١) "صحيح مسلم" رقم (١٩٠٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) "سنن النسائي" رقم (٣١٤٠).
    وحسنه العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٤/ ٣٢٥). والألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٥٢).
  3. (٣) "المسند" (٢/ ٢٩٠).
    ورواه أبو داود في "سننه" رقم (٢٥١٦).
    وصححه ابن حبان حيث أخرجه في "صحيحه" برقم (٤٦٣٧)، وصححه =
429

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي