عدة الصابرين

ومنهم: من يشغله عن الوجبات التي تجب عليه للَّه ولخلقه، فلا يقوم بها ظاهرًا ولا باطنًا.

ومنهم: من يشغله حبها عن كثير من الواجبات.

ومنهم: من يشغله عن واجب يعارض تحصيلها وإن قام بغيره.

ومنهم: من يشغله عن القيام بالواجب في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، فيفرّط في وقته وفي حقوقه.

ومنهم: من يشغله عن عبودية قلبه في الواجب وتفريغه للَّه عند أدائه، فيؤديه ظاهرًا لا باطنًا، وأين هذا في عشاق الدنيا ومحبيها؟! هذا من أندرهم.

وأقل درجات حبها أن يشغل عن أعظم سعادة العبد، وهو تفريغ قلبه لحب اللَّه، ولسانه لذكره، وجمع قلبه على لسانه، ولسانه وقلبه١ على ربه.

فعشقها ومحبتها تضرّ بالآخرة ولا بد، كما أن محبة الآخرة تضرّ بالدنيا، وفي هذا حديث قد روي مرفوعًا: "من أحب دنياه أضرّ بآخرته، [ومن أحب آخرته أضرّ بدنياه]٢، فآثروا ما يبقى على ما يفنى"٣.

  1. (١) كلمة: "وقلبه" ليست في الأصل، وإنما أثبتها من (م) و(ب).
  2. (٢) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الأخرى. ووقع الأصل: "آخرته".
  3. (٣) رواه أحمد في "المسند" (٤/ ٤١٢)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٠٨)، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، وصححه الحاكم، وخالفه =
432

فصل

وخامسها: أن محبتها تُجعل أكبر همّ العبد، وقد روى الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من كانت الآخرة أكبر همّه جعل اللَّه غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه جعل اللَّه فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدّر له"١.

وسادسها: أن محبّها أشد الناس عذابًا، وهو معذب في دُوره الثلاث؛ يعذّب في الدنيا بتحصيلها والسعي فيها ومنازعة أهلها، وفي دار البرزخ بفواتها والحسرة عليها وكونه قد حيل بينه وبين محبوبه على وجه لا يرجو اجتماعه به أبدًا، ولم يحصل له هناك محبوب يعوّضه عنه، فهو أشد الناس عذابًا في قبره، يعمل الهمّ والغمّ والحزن والحسرة في روحه ما تعمل الديدان وهوام الأرض في جسمه.

كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثنا عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه: "أن حزقيل كان ممن سبى بختنصر"، فذكر عنه حديثًا طويلًا وفي آخره، قال: "فبينا أنا نائم على شطّ الفرات إذ أتاني ملك فأخذ برأسي فاحتملني حتى وضعني بقاع من الأرض، قد كانت معركة، قال: وإذا فيه عشرة آلاف قتيل قد بدّدت الطير والسباع لحومهم وفرّقت أوصالهم. قال لي: إن

  1. = الذهبي بقوله: "فيه انقطاع".
  2. (١) "جامع الترمذي" رقم (٢٤٦٥). وحسنه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٩٤٩).
433

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي