عدة الصابرين

قومًا يزعمون أنه من مات منهم أو قتل فقد انفلت مني وذهبت عنه قدرتي، فادعهم. قال حزقيل: فدعوتهم فإذا كلُّ عظم قد أقبل إلى مفصله الذي انقطع منه، ما الرجل بصاحبه بأعرف من العظم بمفصله الذي فارق، حتى أمّ بعضها بعضًا، ثم نبت عليها اللّحم ثم نبتت العروق ثم انبسطت الجلود، وأنا انظر إلى ذلك، ثم قال: ادع أرواحهم، قال: فدعوتها، فإذا كل روح قد أقبل إلى جسده الذي فارق، فلما جلسوا سألتهم: فيما كنتم؟ قالوا: إنا لما متنا وفارقنا الحياة لقينا ملك فقال: هلمّوا أعمالكم وخذوا أجوركم، كذلك سنّتنا فيكم وفيمن كان قبلكم وفيمن هو كائن بعدكم، قال: فنظر في أعمالنا فوجدنا نعبد الأوثان فسلّط الدود على أجسادنا وجعلت الأرواح تألمه، وسلّط الغمّ على أرواحنا وجعلت أجسادنا تألمه، فلم نزل كذلك نعذّب حتى دعوتنا"١. ولا يستريح عاشق الدنيا.

فقولهم: "كنا نعبد الأوثان"، فسيان عبادة الأثمان وعبادة الأوثان؛ تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم.

والمقصود: أن محب الدنيا معذّب في قبره ومعذّب يوم لقاء ربه.

قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ٥٥﴾ [التوبة: ٥٥].

قال بعض السلف: "يعذبهم بجمعِها، وتزهق أنفسهم بحبّها، وهم كافرون بمنع حق اللَّه فيها".

  1. (١) "الزهد" رقم (٤٢٥).
434

فصل

وسابعها: أن عاشقها ومحبها الذي يؤثرها على الآخرة من أسفه الخلق وأقلّهم عقلًا١، إذ آثر الخيال على الحقيقة، والمنام على اليقظة، والظل الزائل على النعيم الدائم، والدار الفانية على الدار الباقية، وباع حياة الأبد في أرغد عيش بحياة إنما هي

أحلامُ نومٍ أو كظلٍّ زائلٍإنّ اللبيبَ بمثلها لا يُخدَعُ٢

كما نزل أعرابي بقوم فقدّموا له طعامًا فأكل، ثم قام إلى ظل خيمة فنام، فاقتلعوا الخيمة فأصابته الشمس، فانتبه وهو يقول:

وإن امرأً دنياه أكبرُ همّهلَمستمسكٌ منها بحبل غرورِ٣

وكان بعض السلف يتمثل بهذا البيت:

يا أهلَ لذّاتِ دنيا لا بقاء لهاإن اغترارًا بظلّ زائل حمق٤
  1. (١) في الأصل بعد هذه الكلمة زيادة: "ومحبها الذي يؤثرها". وحذفها أصوب، وهو بذلك يوافق النسخ الثلاث الأخرى، واللَّه أعلم.
  2. (٢) من أربعة أبيات لعمران بن حطّان الخارجي في "روضة العقلاء" لابن حبان ص (٢٨٧).
  3. (٣) نسب هذا البيت لهاتف من الهواتف في: "الهواتف" لابن أبي الدنيا رقم (٨٨)، و"ذم الدنيا" له أيضًا رقم (٢٦) وهو يشبه بيتًا للشويعر الحنفي -وقد أنشده له ثعلب- صدره:
    وإن الذي يمسي ودنياه همّه
    انظر: "المؤتلف والمختلف" للآمدي ص (٢١٠).
  4. (٤) روى ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٢٤)، عن الحسن بن على أنه كان كثيرًا ما ينشده.
435

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي